تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
أي ليس براح ، وقال الآخر : [ 231 ]
واللّه لولا أن تحسّ الطّبّخ * بي الجحيم حين لا مستصرخ
أي ليس مستصرخ هناك لنا . وأما قولهم « إنما أعملوها النصب لأنهم لما أولوها النكرة - ومن شأن النكرة أن يكون خبرها مقدما عليها - نصبوا بها النكرة » قلنا : [ 163 ] ولم قلتم ذلك ؟ وما وجه المناسبة بينه وبين النصب ؟ ثم لو كان كما زعمتم وأنه معرب منصوب لوجب أن يدخله التنوين ولا يحذف منه ؛ لأنه اسم معرب ليس فيه ما يمنعه من الصّرف ، فلما منع من التنوين دلّ على أنه ليس بمعرب منصوب . وهذا هو الجواب عن قول من ذهب إلى أنه منصوب بلا ؛ لأنها نقيضة إنّ ؛ فإنه كان ينبغي أن يكون منوّنا . قولهم « إنّ لا لما كانت فرعا على إنّ في العمل ، وإنّ تنصب مع التنوين نصبت لا من غير تنوين ؛ لينحط الفرع عن درجة الأصل » . قلنا : هذا فاسد ، وذلك لأن التنوين ليس من عمل إنّ ، وإنما هو شيء يستحقه الاسم في الأصل ، وإنما يستقيم هذا الكلام أن لو كان التنوين من عمل إنّ ، ولا خلاف بين النحويين أن التنوين ليس من عملها ، وإذا لم يكن من عمل إنّ التي هي الأصل ، فلا معنى لحذفه مع « لا » التي هي الفرع لينحطّ الفرع عن درجة الأصل ؛ لأن الفرع إنما ينحطّ عن درجة الأصل فيما كان من عمل الأصل ، وإذا لم يكن من عمل الأصل ، فيجب
شرح
[ 231 ] هذان بيتان من الرجز المشطور ، وقد أنشدهما ابن منظور ( ط ب خ - ح ش ش ) ولم يعزهما إلى قائل معين ، وأنشد سيبويه كلمة الاستشهاد ( 1 / 357 ) ولم يعزها ، ولا بينها الأعلم ولا تكلم عليها . وتقول : حش النار يحشها حشا : أي جمع لها ما تفرق من الحطب وأوقدها ، وتقول حش الحرب يحشها حشا ؛ إذا أسعرها وهيّجها ، تشبيها بإسعار النار ، قال زهير :يحشونها بالمشرفية والقنا * وفتيان صدق لاضعاف ولا نكلوالطبخ : الملائكة الموكلون بعذاب الكفار ، والاستشهاد بالبيت في قوله « لا مستصرخ » حيث رفع الاسم الواقع بعد « لا » النافية التي بمعنى ليس ، وقد علمت مما قدمناه في شرح الشاهد السابق أن جمهرة البصريين على أنه مرفوع بلا ؛ لأنها لما شبهت بليس عملت عملها فرفعت الاسم ونصبت الخبر ، وأن أبا العباس المبرد وموفق الدين بن يعيش - وتبعهما ابن هشام - جوزوا أن تكون « لا » في مثل هذا نافية مهملة لا عمل لها ، والاسم المرفوع بعدها مبتدأ خبره محذوف ، وهذا تخريج يتفق مع مذهب الكوفيين ؛ ولكنا آثرنا لك ألا تأخذ بهذا التخريج لما بيّنا لك من أن « لا » لو كانت مهملة لوجب تكرارها ، فلما لم تتكرر في هذا الشاهد والذي قبله كان ذلك دليلا على أنها عاملة .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 304 | أبو البركات بن الأنباري