تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
وإذا كان متصرفا فيجب أن يكون فعلا ؛ لأن التصرف من خصائص الأفعال . ومنهم من تمسّك بأن قال : الدليل على أنه فعل أن لام الخفض تتعلق به ، قال اللّه تعالى :
حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً
[ يوسف : 31 ] وحرف الجرّ إنما يتعلق بالفعل ، لا بالحرف ؛ لأن الحرف لا يتعلق بالحرف ، وإنما حذفت اللام لكثرة استعماله في الكلام . ومنهم من تمسّك بأن قال : الدليل على أنه فعل أنه يدخله الحذف ، والحذف إنما يكون في الفعل ، لا الحرف ، ألا ترى أنهم قالوا في حاشى للّه : حاش للّه ، ولهذا قرأ أكثر القراء
حاشَ لِلَّهِ
بإسقاط الألف ، وكذلك هو مكتوب في المصاحف ؛ فدل على أنه فعل . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : الدليل على أنه ليس بفعل وأنه حرف أنه لا يجوز دخول « ما » عليه ؛ فلا يقال « ما حاشى زيدا » كما يقال « ما خلا زيدا ، وما عدا عمرا » ولو كان فعلا كما زعموا لجاز أن يقال « ما حاشى زيدا » فلما لم يقولوا ذلك دلّ
شرح
- بها ، كما لم يحفظ دخول « ما » عليها ، فقرر أنها لا تكون إلا حرف جر ، لكن العلماء الثقات حفظوا الأمرين جميعا : حفظوا دخول « ما » على حاشا في قول الأخطل :رأيت الناس ما حاشا قريشا * فإنا نحن أكثرهم فعالاوحفظوا النصب بها دون أن تلحقها « ما » نحو ما رواه أبو زيد قال : « سمعت أعرابيا يقول : اللهم اغفر لي ولمن سمع حاشا الشيطان وابن الأصبغ » بنصب ما بعد حاشا والمعطوف عليه ، كما حفظوا الذي حفظه سيبويه من الجر بها ، وإذن يكون حال « حاشا » مثل حال « عدا ، وخلا » كل واحد من هذه الثلاثة يكون حرفا تارة ، ويكون فعلا تارة أخرى ، وهذا مذهب أبي العباس المبرد ، وهو الذي تؤيده جملة الشواهد الواردة في هذه المسألة ، وقد تفطن لذلك موفق الدين ابن يعيش ، فقال : « أما حاشا فهو حرف جر عند سيبويه ، يجر ما بعده ، وهو مع ما بعده في موضع نصب بما قبله ، وفيه معنى الاستثناء ، وزعم الفراء أن حاشى فعل ولا فاعل له ، وأن الأصل في قولك « حاشى زيد » حاشا لزيد ، فحذفت اللام لكثرة الاستعمال وخفضوا بها ، وهذا فاسد ؛ لأن الفعل لا يخلو من فاعل ، وذهب أبو العباس المبرد إلى أنها تكون حرف جر كما ذكر سيبويه ، وتكون فعلا ينصب ما بعده ، واحتج لذلك بأشياء ، منها أنه يتصرف فتقول : حاشيت أحاشي ، والتصرف من خصائص الأفعال ، ومنها أنه يدخل على لام الجر ، فتقول : حاشى لزيد ، قال اللّه تعالى : حاشى لله ولو كان حرف جر لم يدخل على مثله ، ومنها أنه يدخله الحذف ، نحو حاش لزيد ، وقد قرأت القراء إلا أبا عمروحاشَ لِلَّهِوليس القياس في الحروف الحذف ، إنما ذلك في الأسماء نحو أخ ويد ، وفي الأفعال نحو لم يك ولا أدر ، وهو قول متين يؤيده أيضا ما حكاه أبو عمرو الشيباني وغيره أن العرب تخفض بها وتنصب » اه باختصار يسير ، ومثله قول الراعي :إن على أهوى لألأم حاضر * حسبا ، وأقبح مجلس ألوانا قبح الإله - ولا أحاشي غيرهم - * أهل السبيلة من بني حمانا
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 227 | أبو البركات بن الأنباري