تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
أي والفرقدان ، والشواهد على هذا في أشعارهم كثيرة جدا . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إن « إلّا » لا تكون بمعنى الواو لأنّ إلا للاستثناء ، والاستثناء يقتضي إخراج الثاني من حكم الأول ، والواو للجمع ، والجمع يقتضي إدخال الثاني في حكم الأول ؛ فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما احتجاجهم بقوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي
[ البقرة : 150 ] فلا حجّة لهم فيه ؛ لأن « إلا » هاهنا استثناء منقطع ، والمعنى : لكن الذين ظلموا يحتجّون عليكم بغير حجّة ، والاستثناء المنقطع كثير في كتاب اللّه تعالى وكلام العرب ، قال اللّه تعالى :
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ
[ النساء : 157 ] معناه لكن يتبعون الظن ، وقال تعالى :
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ، إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
[ الليل : 20 ] معناه لكن يبتغي وجه ربّه الأعلى ، وقال تعالى :
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ التين : 5 ، 6 ] معناه لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر ، ثم قال النابغة : [ 159 ] [ 124 ]
وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * أعيت جوابا ، وما بالرّبع من أحد
شرح
- المفصل ( ص 284 ) والاستشهاد بالبيت ههنا في قوله « إلا الفرقدان » فإن الكوفيين زعموا أن « إلا » في هذا البيت حرف عطف بمنزلة الواو ، وكأنه قال : كل أخ مفارقه أخوه والفرقدان أيضا ، وقد حمل الشريف المرتضى في أماليه ( 2 / 88 ) على هذا المعنى قوله تعالى :وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَقال : إلا بمعنى الواو ، والتأويل : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض وما شاء ربك من الزيادة ، واستشهد على ذلك ببيت الشاهد ، وبقول الآخر : ( وهو المخبل السعدي ) :وأرى لها دارا بأغدرة ال * سيدان لم يدرس لها رسم إلا رمادا هامدا دفعت * عنه الرياح خوالد سحموالمراد بإلا ههنا الواو ، وإلا كان الكلام متناقضا ، اه . والذي رآه سيبويه في بيت الشاهد - وسيذكره المؤلف في الرد على كلمات الكوفيين - أن « إلا » ههنا اسم بمعنى غير ، وهي صفة لكل ، ولهذا ارتفع ما بعدها ؛ لأن إلا التي بمعنى غير يظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية ، ومن هنا تدرك أنه لا يجوز جعل إلا صفة لأخ المضاف إليه ؛ إذ لو كانت صفة لأخ لكان ما بعدها مجرورا فكان يقول « إلا الفرقدين » كما قال الآخر :وكل أخ مفارقه أخوه * لشحط الدار إلا ابني شمامكما أنه لا يجوز لك أن تجعل « إلا » في بيت الشاهد استثنائية ؛ لأنها لو كانت هي الاستثنائية لكان ما بعدها منصوبا ، لأن الكلام قبلها تام موجب ، ونصب المستثنى بعد الكلام التام الموجب واجب كما تعلم . [ 159 ] هذان البيتان من قصيدة النابغة الذبياني التي يعدونها من المعلّقات والتي مطلعها :