تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
فنصب الظّهر بأجبّ ، وقال الآخر : [ 85 ]
ولقد أغتدي وما صقع * الدّيك على أدهم أجشّ الصّهيلا
فنصب الصّهيل بأجشّ ، فبطل ما ادّعيتموه . وما اعترضوا به ليس بصحيح : أما بيت الحارث بن ظالم :
* ولا بفزارة الشّعر الرّقابا * [ 83 ]
شرح
- عيش » ذناب كل شيء - بكسر الذال المعجمة - عقبة وما يأتي في أواخره ، و « أجب الظهر » مقطوع الظهر كأنه جمل قد قطع سنامه ، ويقال : بعير أجب ، وناقة جباء ؛ إذا كان قد قطع سنامهما . والاستشهاد بالبيت في قوله « أجبّ الظهر » وهذه العبارة تروى على ثلاثة أوجه : برفع الظهر ، وتخريج هذه الرواية أن تجعل الظهر فاعلا لأجبّ ، وبنصب الظهر ، وتخريج هذه الرواية أن تجعل فاعل الصفة التي هي أجبّ ضميرا مستترا وتنصب الظهر على أنه مشبه بالمفعول به ، وهذه الرواية هي محل الخلاف بين الكوفيين والبصريين ، ويجرّ الظهر ، وتخريج هذه الرواية أن يكون أجب مضافا والظهر مضافا إليه . والوجه الأول : قبيح ، والثاني : ضعيف ، والثالث : حسن . [ 85 ] لم أعثر على نسبة هذا البيت إلى قائل معين ، وقوله « أغتدي » معناه أخرج في وقت الغداة ، والغداة - بفتح الغين - ما بين انبثاق الفجر وطلوع الشمس ، ويقال « غدية » بوزن قضية ، و « غدوة » بضم فسكون ، وربما قيل « غدية » بضم الغين وفتح الدال ، وهو تصغير الغدوة أو الغداة ، ومراد الشاعر أنه يخرج من داره مبكرا ، وقوله « وما صقع الديك » معناه صاح ، وهذا تأكيد لما استفيد من معنى « أغتدي » وقوله « على أدهم » أراد على فرس أدهم ، وهو الذي لونه الدهمة ، والدهمة - بضم الدال وسكون الهاء - لون قريب من الأسود ، و « أجش » الغليظ الصوت من الإنسان والخيل ، وقال النجاشي :ونجى ابن حرب سابح ذو علالة * أجش هزيم ، والرماح دوانيومحل الاستشهاد بالبيت قوله « أجش الصهيلا » حيث نصب الصهيل بقوله أجش ، وأجش هذا صفة مشبهة ، ومعمولها مقترن بالألف واللام ، وبه استدل الكوفيون على أنه يجوز أن ينتصب بعد « أفعل » كل من المعرفة والنكرة ، وقد سوى المؤلف في التمثيل والاستشهاد بين أفعل الذي هو اسم تفضيل وأفعل الذي هو صفة مشبهة ؛ فهو يمثل أولا بقوله « زيد أكبر منك سنا ، وأكثر منك علما » ثم يستشهد بأجب الظهر ، والشعر الرقابا ، وأجش الصهيلا ، ثم يلزم الكوفيين الحجة بأن المنصوب في هذه الشواهد منصوب على التشبيه بالمفعول به ، لا على التمييز ، وكأنه ينكر أن يكون التمييز مقترنا بأل ، وقد ورد التمييز مقترنا بأل من غير أن يكون العامل أفعل التفضيل ولا أفعل الصفة المشبهة ، وذلك في قول الشاعر :رأيتك لما أن عرفت وجوهنا * صددت وطبت النفس يا قيس عن عمروولكن البصريين لم يرقهم أن يجيء هذا البيت ونحوه على غير ما أصلوا من القواعد ، فذهبوا إلى أن « ال » في « طبت النفس » زائدة ، وليست معرفة ؛ فيكون على ما ذهبوا إليه مدخول أل نكرة كالمجرد منها ، وهذا هو المسلك الذي سلكوه في هذه الشواهد .