المضارعة . ) فعلى هذا ، نرى أن البصريين لم يستعملوا غير مصطلح الإعراب للدلالة على معناه ؛ وذلك لأنهم نظروا إلى معنى الإعراب ولفظه ، فمن كلام المهتمين باللغة ، تبين لنا أن الإعراب إنما هو البيان والوضوح حتى يقال للرجل الفصيح : معرب ، وإذا ما أبان عن حاجته ، فإنه يقال له معرب أيضا « 21 » ولما كان الإعراب يوضح مجاري الكلم في العربية ، لم يجد النحويون مناصا من استعماله ، فالمعنى الاصطلاحي للإعراب يدفع إلى استعمال لفظه دفعا ، وقد رأينا في توضيح معنى الإعراب أنّ الاعراب أنما سمّي إعرابا لتبيينه وإيضاحه ، أي لأنه يبيّن مجاري الكلم ، وقال الزجاجي « 22 » ( الإعراب : الحركات المبينة عن معاني اللغة ) ونحمل على هذا نص ابن جني الذي أوردته من الصفحة السابقة ، إلا أنّ الاهتمام بالحركات الاعرابية في الإعراب ليس كافيا ، فقد قرر النحويون أن الإعراب إنما هو الأثر الذي يتركه العامل « 23 » وعلى هذا نستطيع أن نقول : إنّ تسمية الإعراب بهذا اللفظ ربما كانت نابعة من معانيه اللغوية ، فقد يكون معناه مأخوذا من التبيين ، ومنه قول الشاعر :
وجدنا لكم في آل حاميم آية * تأوّلها منا تقيّ ومعرب
فلما كان الإعراب يبين المعاني ، سمي إعرابا ، وقد يكون السبب في التسمية راجعا إلى معناه الاصطلاحي ومعناه اللغوي معا ، فعليه ، يمكن أن يكون سمي إعرابا ؛ لأنه تغيير يلحق أواخر الكلم ، من قولهم : عربت معدة الفصيل ، إذا تغيرت . وأضعف الوجوه التي قررها النحويون في سبب التسمية وتعليلها أنّ الإعراب إنّما سمّي إعرابا لأنّه يحبّب الكلام إلى السامع ، على أنّ لكلامهم وجها ، وهو أنّ من معاني الإعراب في اللغة : التحبّب ، من قولهم :
امرأة عروب إذا كانت متحبّبة إلى زوجها ، وقال اللّه تعالى :
« عُرُباً أَتْراباً »
« 24 » أي متحبّبات إلى أزواجهن ، فلما كان المعرب للكلام كأنّه متحبّب إلى السّامع بإعرابه ، سمّي إعرابا « 25 » فهذا مدلول الإعراب لغة واصطلاحا واختلافا ، فهل نجد غير ذلك في أصنافه شيئا آخر ؟
فذلك ما يمكن أن يتبين في الفصل الآتي .
هامش
( 21 ) الجمل ص 262 ، وانظر الإيضاح ص 91 ، والنهاية 3 / 200 ، والخصائص 1 / 35 ، وشرح الأشموني 1 / 25 - 26 ، وانظر لسان العرب « عرب » 1 / 588 .
( 22 ) انظر الإيضاح 91
( 23 ) أوضح المسالك 1 / 28
( 24 ) الواقعة / 37 .
( 25 ) أسرار العربية ص 18 - 19 .