[ بناؤه على الفتح ومواضعه ]
وأما بناؤه على الفتح فمشروط بأن تباشره نون التوكيد لفظا وتقديرا ، نحو
كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ
« 1 » ، واحترزت بذكر المباشرة من نحو قوله تعالى :
وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
« 2 » .
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ
« 3 » ،
فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً
« 4 » ؛ فإن الألف في الأول ، والواو في الثاني ، والياء في الثالث ؛ فاصلة بين الفعل والنون ، فهو معرب ، لا مبنيّ « 5 » .
وكذلك لو كان الفاصل بينهما مقدّرا كان الفعل أيضا معربا ، وذلك كقوله تعالى :
وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ
« 6 » ، و
لَتَسْمَعُنَّ
« 7 » مثله ؛ غير أن نون الرّفع حذفت تخفيفا لتوالي الأمثال ، ثم التقى ساكنان « 8 » أصله قبل دخول الجازم « يصدّوننّك » : فلما دخل الجازم وهو « لا » الناهية - حذفت النون ؛ فالتقى ساكنان : الواو ، والنون ، فحذفت الواو ؛ لاعتلالها ، ووجود دليل يدلّ عليها وهو الضمة ، وقدّر الفعل معربا - وإن كانت النون مباشرة لآخره لفظا - لكونها منفصلة عنه تقديرا ، وقد أشرت إلى ذلك كله ممثّلا « 9 » .
هامش
- وإنما كان بناؤه مع هذه النون على السكون لأن الأصل في البناء أن يكون على السكون .
ثم إذا دخل عليه والحالة هذه عامل نصب نحو « المقصرات في واجباتهن لن يفلحن » فهو مبني على السكون في محل نصب ، وإن اتصل به عامل جزم نحو « إن لم تقمن بواجبكن فلا خير فيكن » فهو مبني على السكون في محل جزم .
( 1 ) من الآية 4 من سورة الهمزة .
( 2 ) من الآية 89 من سورة يونس .
( 3 ) من الآية 186 من سورة آل عمران .
( 4 ) من الآية 26 من سورة مريم .
( 5 ) ذكر قوم أن علة بناء الفعل المضارع المتصل بنون التوكيد لفظا وتقديرا هي أن الفعل ركب مع النون مثل تركيب خمسة عشر فأخذ حكم هذا المركب ، والصواب أن علة البناء في هذه الحالة قصدهم إلى دفع الإلباس لأنه لو أعرب بالضمة قبل النون لالتبس المسند إلى الواحد المذكر بالمسند إلى الجمع ، ولو جعل الإعراب على نفس النون لكان فيه جعل الإعراب على ما يشبه التنوين وهو مما لا يجوز .
( 6 ) من الآية 87 من سورة القصص .
( 7 ) من الآية 186 من سورة آل عمران .
( 8 ) أي فحذفت واو الجماعة للتخلص من التقاء الساكنين ، وإنما آثروا حذف الواو ولم يحذفوا النون لما ذكره المؤلف ، وهو شيئان ؛ أحدهما : أن الواو حرف معتل ، والمعتل أولى بالحذف من الصحيح ، وثانيهما : أن حذف الواو يبقى معه ما يدل على المحذوف ، وهو الضمة التي من قبلها ، فأما النون فلو أنها حذفت لم يبق في اللفظ ما يدل عليها ، وإذا دار الأمر بين حذف ما يبقى في اللفظ دليل عليه وحذف ما لا يبقى في اللفظ دليل عليه رجحنا حذف ما يبقى في اللفظ دليل عليه .
( 9 ) ههنا شيئان أحب أن أنبهك إليهما ، الأول : أن المؤلف لم يذكر في نون النسوة مثل ما ذكره في نون التوكيد أنها قد تكون مباشرة لفظا وتقديرا فيبنى الفعل ، وقد تفصل من الفعل لفظا وتقديرا فيعرب ؛ وذلك لأنه لا يفصل -