ولو كان المتقدم نفيا أو خبرا مثبتا لم يجزم الفعل بعده ؛ فالأول نحو : « ما تأتينا تحدّثنا » برفع تحدثنا وجوبا ، ولا يجوز لك جزمه ، وقد غلط في ذلك صاحب الجمل ، والثاني نحو : « أنت تأتينا تحدّثنا » برفع تحدثنا وجوبا باتفاق النحويين « 1 » .
وأما قول العرب : « اتّقى اللّه امرؤ فعل خيرا يثب عليه » بالجزم ؛ فوجهه أنّ اتّقى اللّه وفعل وإن كانا فعلين ماضيين ظاهرهما الخبر إلا أن المراد بهما الطلب والمعنى ليتّق اللّه امرؤ وليفعل خيرا ، وكذلك قوله تعالى :
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، يَغْفِرْ لَكُمْ
« 2 » فجزم
يَغْفِرْ
لأنه جواب لقوله تعالى :
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ ؛
لكونه في معنى آمنوا وجاهدوا ، وليس جوابا للاستفهام ؛ لأن غفران الذنوب لا يتسبّب عن نفس الدلالة ، بل عن الإيمان والجهاد .
ولو لم يقصد بالفعل الواقع بعد الطلب الجزاء امتنع جزمه ، كقوله تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
« 3 » فتطهرهم : مرفوع باتفاق القراء ، وإن كان مسبوقا بالطلب وهو
خُذْ ؛
لكونه ليس مقصودا به معنى إن تأخذ منهم صدقة تطهرهم ، وإنما أريد خذ من أموالهم صدقة مطهرة ؛ فتطهرهم : صفة لصدقة ، ولو قرئ بالجزم على معنى الجزاء لم يمتنع في القياس ، كما قرئ قوله تعالى :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي
« 4 » بالرفع على
هامش
- الظرفية ، وهو متعلق بمحذوف حال من سقط اللوى وبين مضاف وقوله « الدخول » مضاف إليه ، مجرور بالكسرة الظاهرة « فحومل » حومل : معطوف بالفاء على الدخول ، والمعطوف على المجرور مجرور ، وعلامة جره الكسرة الظاهرة في آخره .
الشاهد فيه : قوله « نبك » فإنه فعل مضارع غير مقرون بالفاء ، وقد سبقه فعل أمر ، وهو قوله : قفا ، وقصد الشاعر أن يجعل البكاء مسببا عن الوقوف ، ولذلك جزم هذا المضارع في جواب الأمر ؛ فحذف منه حرف العلة الذي هو آخره ، وهذا الحذف هو أمارة الجزم ، مع أنه لا مانع في الكلام من ذلك ؛ لأنه يصح لك أن تقول : إن تقفا نبك ، فافهم ذلك ، واللّه يرشدك .
( 1 ) إنما وجب الرفع بعد الخبر المثبت وبعد النفي لأن صحة الجزم تقتضي أن يكون السابق سببا ، ولا يكون الخبر المثبت سببا وهو ظاهر ، والنفي لا يكون سببا أيضا ، ألا ترى أنك لو قلت « ما تأتينا فتحدثنا » لم يعقل أن يكون تقدم عدم الإتيان سببا في الحديث .
( 2 ) الآيات 10 ، 11 ، 12 من سورة الصف .
( 3 ) من الآية 103 من سورة التوبة .
( 4 ) من الآيتين 5 6 من سورة مريم .