تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
. . .
شرح
يجوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، فحينئذ يجوز أن تقول : زيد كثير الرماد ، مريدا كرمه ، وكثرة رماده المقصود لذاته ، وأن تريد كرمه وكثرة رماده ؛ ليستفاد من كثرة رماده كرمه ، فيكون الكرم مدلولا عليه بالمجاز والكناية . وأما الحقيقة المجردة والكناية ، فلا مانع من اجتماعهما بأن تقول : زيد كثير الرماد ، وغرضك الإخبار بكثرة رماده ؛ ليستفاد منه كرمه ، ويستفاد حصول الرماد بنفسه لغرض ما ، ولا تتخيل أن ذلك جمع بين حقيقتين ، فإن إرادة الاستعمال فيه واحدة ، والمتعدد إرادة الإفادة . وقد تستعمل الكلمة في معنى واحد ؛ لتحصل أغراض لا تتناهى فظهر بهذا أن الكناية لفظ أريد به ما وضع له استعمالا ، وغير ما وضع له إفادة . والمجاز أريد به غير ما وضع له استعمالا وإفادة . وعلم أن بين الكناية والمجاز عموما وخصوصا من وجه ، يجتمعان في القسم الرابع ، ويرتفعان في الحقيقة المجردة ، ويوجد المجاز فقط ، حيث استعمل اللفظ في غير موضوعه ، مرادا به إفادة مدلوله ، وتنفرد الكناية في استعمال اللفظ في موضوعه ، مرادا إفادة غيره . إذا تحرر ذلك فاعلم أن في كل من المجاز والكناية انتقالا . والانتقال تارة نعنى به انتقال المتكلم عن لفظ ؛ إلى لفظ لانتقال ذهنه إليه ، وتارة نعنى به انتقال ذهن السامع من اللفظ المستعمل إلى غيره . فإن أردت الأول فالمتكلم إذا أراد الإخبار بمعنى ، فقد ينتقل ذهنه إلى ملزومه ، فيستعمل لفظ الملزوم في اللازم ، كقولك : رأيت بحرا ماشيا تريد كريما ، وقد ينتقل ذهنه إلى استعمال اللازم مريدا به الملزوم كقولك : كثير الرماد مريدا الكرم . وإن أردت انتقال ذهن السامع ، فالحال بالعكس فالانتقال في المثال الأول من الملزوم إلى اللازم ، وفي المثال الثاني من اللازم إلى الملزوم ، فظهر أن المجاز يحصل فيه تارة الانتقال من اللازم إلى الملزوم ، وتارة بالعكس ، كقول العرب : رعينا غيثا ، فيطلق الملزوم على اللازم . وأمطرت السماء نباتا ، يطلق اللازم على الملزوم . ويدل على ذلك أن من علاقات المجاز إطلاق المسبب على السبب وعكسه ، والمتعلق على المتعلق وعكسه ، والجزء على الكل وعكسه ، وكل من الجزء والمسبب والمتعلق لازم للكل والسبب والمتعلق . والسكاكى جعل الانتقال في المجاز أبدا من الملزوم إلى اللازم ، نظرا إلى أنك إذا قلت : أمطرت السماء نباتا ، فالنبات وإن كان ملازما للمطر إلا أنه باعتبار مساواته صار ملزوما ، وفي هذا الكلام مناقشات ، نذكرها في
عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 15 | عبد الحميد هنداوي / أحمد بن علي السبكي