ومنه : ما ذكر فيه وصف المشبّه به وحده ، ومنه : ما ذكر فيه وصفهما ؛
شرح
النفي ، كقوله : لم يقم واحد من الرجلين ، فلم يبق له عموم ، لكونه معرفة ، ولا يمكن أن يدعى عمومه ، لأنه اسم جنس ، أضيف إلى الرجلين ؛ لأن اسم الجنس إنما يعم بالإضافة إذا لم يدل بالمادة على الخصوص ، أما إذا دل فلا ، كقولك : أكلت بعض الرغيف أو ثلثه ، لا يعم الأثلاث والأبعاض ، وكذا أحد الشيئين لا يعمهما ، ولو سلمنا أن أحدهما يعمهما ، فوقوعه بعد النفي كوقوع سائر صيغ العموم ، وهي بعد النفي للخصوص ؛ لأنها سلب عموم ، لا عموم سلب كما سبق ، إلا أن يدعى أن أحدا لا يتعرف بالإضافة لمعرفة ، ويؤيد ما قلناه ، قوله تعالى :إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما« 1 » المراد منه ما ذكرناه ، بدليل قوله :أَوْ كِلاهُما ،والشرط كالنفى . وأما قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " إني لست كأحدكم " « 2 » فالقرينة قامت على إرادة العموم ، وبعد أن كتبت هذه السطور ، وقفت على كلام الزمخشري ، قال في قوله تعالى :وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً« 3 » : إن معناه لا تطع أحدا ثم قال : فإن قلت : ما معنى أو لا تطع أحدهما فهلا جئ بالواو ليكون نهيا عن طاعتهما ؟ ! قلت : لو قيل : ولا تطعهما ، لجاز أن يطيع أحدهما وإذا قيل : لا تطع أحدهما ، علم أن الناهى عن طاعة أحدهما عن طاعتهما أنهى كما إذا نهى أن يقول لأبويه : أف ، علم أنه منهى عن ضربهما انتهى .
وهذا يدل على أن لم أضرب أحدهما ، معناه لم أضرب واحدا منهما ، وفيه نظر ؛ لما سبق . ( قوله : ومنه ما ذكر فيه وصف المشبه به وحده ) أي : ولم يذكر وصف المشبه ، وسكت عن مثاله ؛ لأن مثاله سبق عن قريب ، وهو قولهم : هم كالحلقة المفرغة ، لا يدرى أين طرفاها . ومثله في الإيضاح بقول النابغة :فإنّك شمس ، والملوك كواكب * إذا طلعت ، لم يبد منهنّ كوكب « 4 »
هامش
( 1 ) الإسراء : 23 .
( 2 ) أخرجه مسلم في الأشربة " ، باب : إباحة أكل الثوم ، ( ح 2053 ) ، بلفظ : " كلوا فإني لست كأحد منكم . . . . " ، ومتفق عليه بلفظ : وإني لست مثلكم . . " .
( 3 ) سورة الإنسان : 24 .
( 4 ) البيت من الطويل للنابغة الذبياني في ديوانه ص 28 ، والإشارات والتنبيهات ص 194 .