تأتينا فتحدّثنا " كما يقال : " ما تأتينا فتحدّثنا " . فجواز هذا وأمثاله متفق عليه .
وزاد الكوفيون إجراء التشبيه مجرى النفي نحو : " كأنّك أمير فنطيعك " ؛ لأن فيه معنى : ما أنت أمير فنطيعك .
وكذلك أجروا الحصر ب " إنّما " كقولهم : " إنّما هي ضربة من الأسد فتحطم ظهره " ؛ وعليه قراءة ابن عامر " 1 " : " فإنّما يقول له كن فيكون " .
هامش
( 1 ) قرأ ابن عامر " فيكون " نصبا هنا ، وفي الأولى من آل عمران ، وهي : " كن فيكون . ونعلمه ؛ تحرزا من قوله : " كن فيكون . الحق من ربك " وفي مريم : " كن فيكون . وإن اللّه ربى " ، وفي غافر : " كن فيكون . ألم تر إلى الذين يجادلون " ، ووافقه الكسائي على ما في النحل ، ويس ، وهي : " أن يقول له كن فيكون " أما آيتا النحل ويس فظاهرتان ؛ لأن ما قبل الفعل منصوب فيصح عطفه عليه .
وأما ما انفرد به ابن عامر في هذه المواضع الأربعة فقد اضطرب كلام الناس فيها ، وهي لعمري تحتاج فضل تأمل ، ولذلك تجرأ بعض الناس على هذا الإمام الكبير ، فقال ابن مجاهد : قرأ ابن عامر " فيكون " نصبا ، وهذا غير جائز في العربية ، لأنه لا يكون الجواب هنا للأمر بالفاء إلا في يس والنحل ، فإنه نسق لا جواب ، وقال في آل عمران : قرأ ابن عامر وحده : " كن فيكون " بالنصب ، وهو وهم قال : " وقال هشام : كان أيوب بن تميم يقرأ : فيكون نصبا ، ثم رجع فقرأ فيكون رفعا وقال الزجاج : كن فيكون : رفع لا غير " .
وأكثر ما أجابوا بأن هذا مما روعى فيه ظاهر اللفظ من غير نظر للمعنى ، يريدون أنه قد وجد في اللفظ صورة أمر فنصبنا في جوابه بالفاء ، وأما إذا نظرنا إلى جانب المعنى ، فإن ذلك لا يصح لوجهين :
أحدهما : أن هذا ؛ وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبر ، نحو :فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُأي :
فيمدّ وإذا كان معناه الخبر لم ينتصب في جوابه بالفاء إلا ضرورة كقوله :سأترك منزلي لبنى تميم * وألحق بالحجاز فأستريحاوقول الآخر :لنا هضبة لا ينزل الذّلّ وسطها * ويأوى إليها المستجير فيعصماوالثاني : أن من شروط النصب بالفاء في جواب الأمر أن ينعقد منها شرط جزاء نحو :
" ائتني فأكرمك " تقديره : إن أتيتني أكرمتك ، وههنا لا يصح ذلك إذ يصير التقدير : إن تكن تكن فيتحد فعلا الشرط والجزاء معنى وفاعلا ، وقد علمت أنه لا بد من تغايرهما ، وإلا يلزم أن يكون الشئ شرطا لنفسه وهو محال ، قالوا : والمعاملة اللفظية واردة في كلامهم ، نحو ؛قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا ،قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ،وقال عمر بن أبي ربيعة :فقلت لجنّاد خذ السّيف واشتمل * عليه برفق وأرقب الشّمس تغرب
وأسرج لي الدّهماء واذهب بممطرى * ولا يعلمن خلق من النّاس مذهبيفجعل " تغرب " جوابا ل " أرقب " ، وهو غير مترتب عليه ، وكذلك لا يلزم من قوله تعالى أن يفعلوا ، وإنما ذلك مراعاة لجانب اللفظ . -