تقدم طريق الخبر ونوعه الذي يأتي عليه ، وأما تفسيره بالعلة ؛ لأن الاستكبار عن العبادة على شرعية لدخول جهنم ، ففاسد لانتقاضه بقوله :
إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا . . . . . . . .
على ما يأتي إذ ليس سمك السماء علة لبناء بيت شرفهم ، ومجدهم وبقوله :
إن الذين ترونهم إخوانكم * يشفى غليل صدورهم . . .
فإن ظنهم إخوانهم ليس علة لشفاء غليل صدورهم ( ثم إنه ) أي : الإيماء إلى وجه بناء الخبر لا مجرد جعل المسند إليه موصولا كما قيل ؛ لأن سياق الكلام ينافيه ، ولأنه يفهم أن ما ذكر بعد يوجد من غير الإيماء وهو فاسد كما يظهر ( ربما جعل ذريعة ) أي : الإيماء ربما جعل ذريعة ، أي وسيلة ( إلى التعريض والتعظيم ) أي : إلى الإشارة من عرض أي : جانب الكلام إلى التعظيم ( لشأنه ) أي : لشأن الخبر ( نحو قوله ) أي : الفرزدق " 1 " ( إن الذي سمك السماء ) أي : رفعها ( بنى لنا بيتا ) أي : بيت الشرف والمجد لا بيت الكعبة ، فإن ما تضمنته القصيدة يبعده ( دعائمه ) أي : قوائم ذلك البيت ( أعز وأطول ) من كل بيت ، أو من بيتك يا جرير ، فقوله إن الذي سمك السماء فيه الإشارة إلى أن الخبر المبنى عليه أمر من جنس الرفعة ، والبناء ، والذوق شاهد صدق على ذلك الإيماء فإنه إذا قيل إن الذي صنع هذه الصنعة الغريبة فهم منه عرفا إن ما يبنى عليه أمر من جنس الصنعة ، والإتقان فإذا قيل صنع لي كذا كان التأكيد لما أشار إليه أول الكلام ، ثم في هذا الإيماء تعريض لتعظيم بناء بيتهم من حيث إنه فعل من رفع السماء ، وصنع من أبدع وأتقن ، فلك القمر الذي لا بناء أغرب ، ولا أرفع منه في مرأى العين لا يقال إنما فيه التعريض بتعظيم البيت ، وهو مفعول لا بتعظيم البناء الذي هو الخبر ؛ لأنا نقول تعظيم البيت لتعلق بناء من بنى السماء بها ، فلا محيد عن اعتبار البناء في التعظيم وهو الخبر ، وهذا التقدير يقتضى أن جعل الموصول مع صلته ذريعة لا ينفك عن الإيماء إلى وجه بناء الخبر ، ولو كان كما قيل مجرد جعل المسند إليه موصولا هو المجعول ذريعة لانفك عن الإيماء في هذا المثال وشبهه وقد تقدم أن الذوق شاهد بوجود الإيماء في هذا
هامش
( 1 ) البيت للفرزدق في ديوانه ( 2 / 155 ) ، والأشباه والنظائر ( 6 / 50 ) ، وخزانة الأدب ( 6 / 539 ) .