تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
ويستحيل في عالم الحس تعيين أحدها ، وتخصيصه وحده بهذا الاسم . لكن إذا قلت : « أنا في الحديقة » ، فإن الشيوع يزول ؛ والإبهام يختفى ؛ بسبب تحديد المدلول ، وحصره في واحد معين ؛ هو : المتكلم ؛ فلا ينصرف الذهن إلى غيره ، ولا يمكن أن ينسب الوجود في الحديقة لسواه . وإذا قلنا : تكلّم طالب ؛ فإن كلمة : « طالب » اسم ، له معنى عقلي ، ومدلول ذهني . ولكن مدلوله الخارجي « أي : الذي في عالم الحس والواقع ؛ خارجا عن العقل والذهن وبعيدا منهما » ، غير محصور في فرد خاص يمكن تعيينه وتمييزه من أشباهه ؛ وإنما ينطبق على : حامد ، وحليم ، وسعد ، وسعيد . . . وآلاف غيرهم ممن يصدق على كل واحد منهم أنه : « طالب » : ويشترك مع غيره في هذا الاسم فهو اسم يدل على فرد ، ولكنه فرد شائع بين أشباه كثيرة ، متماثلة في تلك الحقيقة
هامش
ويسأل عنها غيره ؛ حتى يعرف أنها شجرة ، وأنها تسمى : النخلة ، ويراها مرات بعد ذلك فيقوى إدراكه لها . ثم يرى شجرة « برتقال » على النحو السالف ، وشجرة « ليمون » ، وشجرة « يوسفى » وشجرات أخرى كثيرة ؛ فينته عقله إلى معرفة صفات ذاتية مشتركة بين تلك الأشجار المختلفة النوع ، ويرسم العقل من مجموع تلك الصفات صورة خيالية للشجرة - أىّ شجرة كانت - بحيث تنطبق تلك الصورة الخيالية على كل شجرة مهما كان نوعها . فهو قد اهتدى أولا إلى أن الصفات الذاتية المشتركة بين الشجرات الكثيرة هي : الجذور ، والجذوع ، والفروع ، والثمر . . . ثم أنشأ من مجموعها صورة خاصة لما يسمى : « شجرة » . فحين يسمع المرء كلمة « شجرة » يسرع عقله فيدرك المراد منها ، وهو تلك الصورة التي سبق له أن رسمها من مجموع الصفات الذاتية المشتركة ، ولا يدرك سواها ، ولا يخصص شجرة معينة ، كشجرة نخيل ، أو برتقال ، أو ليمون ، أو غيرها ، ولا يستحضر في داخله - غالبا - غير تلك الصورة الخيالية التي ابتكرها ، وكوّنها من قبل ، والتي يسميها العلماء حينا : « الصورة العقلية المجردة » وحينا : « الصورة الذهنية المجردة » أو : « الحقيقة الذهنية المحضة » أي : التي لا يحتاج العقل في إدراكها إلى استحضار صورة شجرة معينة ، أو استرجاع نموذج من الشجرات الأولى التي كانت أوصافها الذاتية المشتركة سببا في تكوين الصورة الذهنية لما يسمى : « شجرة » . فالصورة التي رسمها العقل هي صورة خيالية محضة ، لا وجود لها في عالم الحس والواقع على الرغم من أنه انتزع عناصر تكوينها من نماذج وأشياء محسوسة مشاهدة ، يستقل كل منها بنفسه ، وينفرد عن غيره ، لكنها تتشابه في صفات ذاتية مشتركة بين الجميع - كما سبق . وكل واحد من تلك النماذج والأشياء المتشابهة يسمى : خ خ حقيقة خارجية : لأنه المدلول الحسى ، والمضمون الواقعي للحقيقة الذهنية ، مع خروجه عن دائرة الذهن المجردة : بسبب وجوده فعلا في دائرة الحس والمشاهدة ، فكل واحدة من شجر النخيل ، أو البرتقال ، أو الليمون ، أو . . . تصلح أن تكون المدلول الحسى المقصود من كلمة : « شجرة » التي هي حقيقة ذهنية . وإن شئت فقل : إن كل واحد من تلك الأشياء يصلح أن يكون الحقيقة الخارجية التي هي مضمون الحقيقة الذهنية ، ومدلولها المقصود ، وأن الحقيقة الذهنية تنطبق في خارج الذهن على كل واحد من تلك الأشياء ، وتصدق عليه . ومما سبق نعلم أن مجموع الصفات الذاتية المشتركة بين أفراد الحقيقة الخارجية هو الذي يكوّن الحقيقة الذهنية المحضة ، وأن مدلول الحقيقة الذهنية المحضة ينطبق على كل فرد من أفراد الحقيقة الخارجية ، ويصدق عليه ، دون تخصيص فرد أو تعيينه ؛ كما سيجئ في هذا الباب عند الكلام على اسم الجنس وعلم الجنس ص 259 .