قلت : " من الناس من يصحب فتحمد صحبته " وإن شئت " من يصحبان فتحمد صحبتهما " وتقول : " في النساء من يكتب ويحسب " وإن شئت " من تكتب وتحسب " قال اللّه عز وجل في الجمع :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ
" 1 " وقال في موضع آخر
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
" 2 " وقال تعالى :
وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً
" 3 " فذكر أحد الفعلين وأنت الآخر ، وقال الفرزدق :
تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان " 4 "
وقد زاد الكسائي في معاني ( من ) وجها رابعا ، فزعم أنها تكون صلة ، وأنشد في ذلك :
آل الزّبير سنام المجد قد علمت * ذاك العشيرة والأثرون من عددا " 5 "
أراد الأثرون عددا . وأنشد أيضا ( قول عنترة ) :
يا شاة من قنص لمن حلت له * حرمت عليّ وليتها لم تحرم " 6 "
فجعل من في هذين البيتين بمنزلة ما في الصلة . فأما البيت الأول فقد زعم بعضهم أن معناه الأثرون من يعد عددا ، فحذف الفعل واكتفى بالمصدر منه ، كما يقول ما أنت إلا سيرا ، وأما البيت الثاني فإن رواية أكثر الناس ( يا شاة ما قنص لمن حلت له ) فإن كانت الرواية صحيحة في من فهي لعمري زائدة وقد يحتمل أن لا تكون زائدة وتجعل من نكرة بمنزلة إنسان . قنص بمعنى قانص وهو نعت له كما قال : وكفى بنا فضلا على من غيرنا .
وأما كم فإنها مبنية على السكون ، والذي أوجب بناءها على ذلك أنها وقعت موقعين شابهت في كل واحد منهما حرفا ؛ فالأول وقوعها موقع ألف الاستفهام ، ويسأل بها عن جميع الأعداد كقولك : " كم غلاما لك " و " وكم مالك ؟ " فتصير بمنزلة قولك
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، آية 25 .
( 2 ) سورة يونس ، آية 42 .
( 3 ) سورة الأحزاب ، آية 31 .
( 4 ) البيت في ديوانه 870 ، وسيبويه 2 / 31 .
( 5 ) البيت بلا نسبة في الخزانة 2 / 548 .
( 6 ) معلقة عنترة في شرح القصائد السبع 353 .