والآخر : أنّ معنى قولك : « زرني وأزورك » « 1 » لتجتمع الزيارتان ، وليس معناه لتجتمع الزيارتان « 2 » ، فصحّ أن يكون الأوّل تفسيرا دون الثاني ، وأيضا فإنّ النّصب مفسد للمعنى من جهة أخرى ، وهو أنّه يصير تعليلا للأوّل وهو هو ، فكأنّه علّل الشيء بنفسه ، فكأنّه قال : لتجتمع الزيارتان ، لتجتمع الزيارتان ، فكان مثل قولك : « ضربته لأضربه » وهو فاسد .
ومثّل النّصب بما لا يستقيم معه سواه « 3 » ، لأنّ الجزم والرّفع في البيت « 4 » غير مستقيم ، أمّا الجزم فقد ذكره ، وأمّا الرّفع فيدلّ على الاستئناف ، والغرض الاجتماع بدليل قوله « 5 » :
. . . إنّ * لصوت أن ينادي داعيان
ولا ينهض هذا المعنى إلّا بالنّصب .
ثمّ قال : « وبالرّفع » يعني في المثال « 6 » لا في البيت ، لأنّ الرّفع يضعف معناه ، ثمّ مثّل الرّفع بما لا يستقيم معه سواه ، وهو قوله : « دعني ولا أعود » لتعذّر النّصب والجزم على العطف ، أمّا النصب فيفسد المعنى لأنّه يصير المعنى ليجتمع تركك لي وتركي لما تنهاني عنه ، وقد علم أنّ طلبه لتركه إنّما هو في الحال بقرينة ألمه « 7 » بتأديبه ، فيفوت مقصود طالب الأدب ، والغرض من هذا الكرم لمن أدّب حصول مقصود مؤدّبه ولا يحصل مقصوده إلّا بترك العود في المستقبل ، ولا يستقيم الجزم ، لأنّه إن جزم عطفا كان فاسدا على ما يذكر بعده ، وإن جزم بلا على أنّها للنّهي ، وتكون جملة نهييّة معطوفة على جملة أمريّة ، وهي قولك : دعني ، فكأنّه قال : دعني ، ثمّ شرع في جملة أخرى
هامش
( 1 ) بعدها في د « بالجزم » ولا يجوز الجزم ، انظر شرح المفصل لابن يعيش : 7 / 35 .
( 2 ) انظر الكتاب : 3 / 45
( 3 ) جاء في حاشية د : « أي مثّل النصب بشيء لا يستقيم مع ذلك الشيء سوى النصب » . ق : 190 ب .
( 4 ) أي في بيت جرير المتقدم .
( 5 ) البيت بتمامه :« فقلت ادعي وأدعو إن أندى * لصوت أنّ ينادي داعيان » .نسب في الكتاب : 3 / 45 ، والمقاصد للعيني : 4 / 392 ، إلى الأعشى وليس في ديوانه ، ونسبه القالي في أماليه : 2 / 90 إلى الفرزدق وليس في ديوانه طبعتي الصاوي وصادر ، ونسبه الزمخشري في المفصل : 248 إلى ربيعة بن جشم ، وذكر ابن يعيش والعيني الاختلاف في نسبته إلى الحطيئة وربيعة بن جشم . انظر شرح المفصل لابن يعيش : 7 / 35 ، والمقاصد للعيني : 4 / 392 ، ولم أجده في ديوان الحطيئة ، ونسبه صاحب اللسان ( ندى ) إلى مدثار بن شيبان النمري ، وورد بلا نسبة في مجالس ثعلب : 456 ، والإنصاف : 531 .
( 6 ) أي في قوله : « زرني أزورك » . المفصل : 248 - 249
( 7 ) في ط : « الأمر » .