واستدلّ على ذلك بأنّك لو قلت : " إنّما الميت من يعيش " ، كان خلفا ، لكن أخذ التمام فيها بالنظر إلى اللفظ لا إلى المعنى .
وهذا الذي ذهب إليه باطل ، بل لو أسقطت الحال ، لكان هذا الكلام تامّا على معنى ما ، ألا ترى أنّك لو قلت : " هذا زمان إنّما الميت فيه يعيش " ، تشير بذلك إلى فساده ، كان كلاما مستقلّا .
ومثال مجيئها بعد معرفة : " أقبل عبد اللّه باكيا " ، فعبد اللّه معرفة . والذي يقارب المعرفة النكرة الموصوفة " وأفعل من " .
أما النكرة الموصوفة فوجه قربها من المعرفة اختصاصها بالصفة وأمّا " أفعل من " فوجه قربها من المعرفة اختصاصها ، ولذلك لم تقبل الألف واللام ، ومن ذلك قوله تعالى :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنا
( 1 ) .
ولا تجيء الحال من نكرة غير مقاربة للمعرفة وهي متأخّرة عنها إلّا حيث سمع ، ولا يقاس على شيء من ذلك ، والذي سمع من ذلك : " وقع أمر فجأة " ، و " مررت بماء قعدة رجل " ( 2 ) .
فإن تقدّمت الحال على صاحبها جازت من معرفة ، نحو : " جاء ضاحكا زيد " ، ومن نكرة ، نحو : " جاء ضاحكا رجل " ، لأنّها لا تكون صفة ، لأنّ الصفة لا تتقدّم على الموصوف ، فلزم النصب .
هامش
- والهاء ضمير متّصل مبنيّ في محلّ جرّ بالإضافة . قليل : حال ثالثة منصوبة ، وهو مضاف . الرجاء : مضاف إليه مجرور بالكسرة .
جملة " يعيش " صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب .
الشاهد فيه قوله : " الميت من يعيش كئيبا كاسفا باله قليل الرجاء " فإنّ هذه الأحوال ( كئيبا ، كاسفا باله ، قليل الرجاء ) لا يستغني الكلام عنها ، لأنها إذا أسقطت صار الكلام : " إنما الميت من يعيش " ، وفي هذا تناقض . ويروى البيت باستبدال كلمة " الرخاء " أو " الغناء " بكلمة " الرجاء " .
( 1 ) الدخان : 4 - 5 .
( 2 ) أي : مقدار ما أخذ من الأرض قعوده .