الأولى ، فصار التقدير به إلى صوياغ ، ثم وقع التغيير فيما بعد ؟
قيل : يمنع من ذلك أن العرب إذا غيّرت كلمة عن صورة إلى أخرى اختارت أن تكون الثانية مشابهة لأصول كلامهم ومعتاد أمثلتهم . وذلك أنك تحتاج إلى أن تنيب شيئا عن شيء ، فأولى أحوال الثاني بالصواب أن يشابه الأوّل . ومن مشابهته له أن يوافق أمثلة القوم ، كما كان المناب عنه مثالا من مثلهم أيضا ؛ ألا ترى أن الخليل لمّا رتّب أمر أجزاء العروض المزاحفة ، فأوقع للزحاف مثالا مكان مثال عدل عن الأوّل المألوف الوزن إلى آخر مثله في كونه مألوفا ، وهجر ما كان بقّته صنعة الزحاف من الجزء المزاحف مما كان خارجا عن أمثلة لغتهم . .
وذلك أنه لمّا طوى " 1 " ( مس تف علن ) فصار إلى ( مس تعلن ) ثناه إلى مثال معروف وهو ( مفتعلن ) لمّا كره ( مستعلن ) إذ كان غير مألوف ولا مستعمل . وكذلك لمّا ثرم " 2 " ( فعولن ) فصار إلى ( عول ) وهو مثال غير معروف ، عدله إلى ( فعل ) .
وكذلك لمّا خبل " 3 " ( مستفعلن ) فصل إلى ( متعلن ) فاستنكر ما بقي منه ، جعل خالفة الجزء ( فعلتن ) ليكون ما صير إليه مثالا مألوفا ، كما كان ما انصرف عنه مثالا مألوفا .
ويؤكّد ذلك عندك أن الزحاف إذا عرض في موضع فكان ما يبقى بعد إيقاعه مثالا معروفا لم يستبدل به غيره . وذلك كقبضه " 4 " ( مفاعيلن ) إذا صار إلى ( مفاعلن ) ، وككفّه " 5 " أيضا لمّا صار إلى ( مفاعيل ) فلمّا كان ما بقي عليه الجزء بعد زحافه مثالا غير مستنكر أقرّه على صورته ولم يتحشّم تصوير مثال آخر [ غيره ] عوضا منه ، وإنما أخذ الخليل بهذا لأنه أحزم ، وبالصنعة أشبه .
فكذلك لمّا أريد التخفيف في صوّاغ أبدل الحرف الأول فصار من ( صيواغ ) إلى لفظ ( فيعال ) كغيداق وخيتام . ولو أبدل الثاني لصار ( صوياغ ) إلى لفظ ( فعيال ) ،
هامش
( 1 ) الطىّ من أضرب الزحاف . وهو حذف الساكن الرابع من التفعيلة . وهو هنا الفاء .
( 2 ) الثرم في ( فعولن ) : حذف فائه - ويسمى خرما - مع حذف نونه - ويسمى قبضا .
( 3 ) الخبل في ( مستفعلن ) : حذف تائه بالخبن ، مع حذف فائه بالطى .
( 4 ) القبض : حذف الخامس الساكن ، وهو في ( مفاعيلن ) حذف الياء .
( 5 ) الكف : سقوط السابع الساكن . وهو في ( مفاعيلن ) : حذف النون .