أمّا بعد ، فهذه نبذة تصوّر ما صار إليه البديع في القرن الثامن الهجريّ ، على يد أصحاب هذه البديعيات الثلاث ، كما تصوّر الجهود التي بذلها هؤلاء في سبيل تطويره وحفظه بأسلوب فنّي أدبيّ طريف .
وإذا ما اجتزنا القرن الثامن إلى القرن التاسع الهجريّ فإننا نرى أنّ الاتجاه الغالب في دراسة البديع يتمثّل في نظم بديعيات تنحو منحى صفيّ الدين الحلّيّ حينا أو عزّ الدين الموصليّ أحيانا ، وتتبارى مع هذا أو ذاك ، وأبرز هؤلاء المتبارين ابن حجّة الحمويّ الذي راح يباري الاثنين معا ، بالإضافة إلى معارضته لبردة البوصيريّ التي عارضاها قبله ، وقد أشار إلى ذلك في مقدّمة « خزانته » إذ يقول : « فهذه البديعيّة التي نسجتها بمدحه ، ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، على منوال طرح البردة ، كان . . . محمد بن البارزيّ . . . هو الذي ثقّف لي هذه الصعدة . . . وما ذاك إلّا أنّه وقف بدمشق المحروسة على قصيدة بديعية للشيخ عز الدين الموصلي . . . التزم فيها تسمية النوع البديعيّ ، وورّى به من جنس الغزل ، ليتميّز بذلك على الشيخ صفي الدين الحلّيّ . . . فاستخار اللّه مولانا . . . ورسم لي بنظم قصيدة أطرّز حلّتها ببديع هذا الالتزام ، وأجاري الحلّيّ برقّة السحر الحلال الذي ينفث في عقد الأقلام ، فصرت أشيّد البيت فيرسم لي بهدمه . . . فصرت أعرب عن بناء كلّ بيت له على المناظرة طاقة ، فيحكم لي بالسبق وينقلني إلى غيره . . . فجاءت بديعيّة هدمت بها ما نحته الموصليّ في بيوته من الجبال ، وجاريت الصفيّ مقيّدا بتسمية النوع وهو من ذلك محلول العقال ، وسمّيتها « تقديم أبي بكر » علما أنّه لا يسمع من الحلّيّ والموصليّ في هذا « التقديم » مقال » « 1 » .
وقد ظفرت هذه البديعية بما لم تظفر به بديعية أخرى من الشهرة ، وقد شرحها ابن حجّة بنفسه في كتابه المشهور « خزانة الأدب وغاية الأرب » وجرى كثير من الأدباء والشعراء على منواله في نظم البديعيات وشرحها . ونظرا لأهمية هذه البديعية وشرحها ، ولكونها موضوع هذه الدراسة ، أفرد لها فصلا لدراستها دراسة تحليليّة ، وأكتفي هنا بعرض أبياتها كما وردت في « الخزانة » ، و « نفحات الأزهار » ، و « جنى الجنّتين » « 2 » .
بديعية ابن حجّة الحمويّ : « تقديم أبي بكر »
1 - لي في ابتدأ مدحكم يا عرب ذي سلم * براعة تستهلّ الدمع في العلم
هامش
( 1 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 1 / 22 .
( 2 ) انظر « جنى الجنتين » ورقة 3 ب - 7 أ .