وتقول : « أقلّ رجل رأيته إلّا زيد » . إذا أردت النفي ب « أقلّ » . كأنّك قلت : « ما رجل رأيته إلّا زيد » . والتقدير : ما رجل مرئيّ إلّا زيد . وإن أردت أنّك قد رأيت قوما رؤية قليلة نصبت « زيدا » ؛ لأنّه مستثنى من موجب . وأن يكون « أقلّ » في موضع نفي أكثر وكذلك : « كلّ رجل رأيته » ، يصلح فيه الوجهان .
وتقول : « ما علمت أنّ أحدا يقول ذاك إلّا زيدا » ؛ لأنّ المعنى : ما علمت إلّا أنّ أحد إلّا زيدا يقول ذاك .
ف « زيد » بدل من « أحد » الذي عملت فيه « إنّ » ، ولو جعلت « إلّا » تلي « أنّ » لم يصلح ؛ لأنّ الحروف لا تقوى قوة الأفعال .
تقول ؛ « ما جاءني إلّا زيدا قومك » ، و « ما جاءني إلّا زيدا أحد » ، ولا يجوز : « ما علمت أنّ إلّا زيدا أحدا في الدار » .
فهذا يبيّن لك حال الموجب ، والمنفيّ في الاستثناء .
* * * و « ما » الحجازيّة بمنزلة « إنّ » في العمل وإن اختلف عملاهما .
واستواؤهما في أنّهما حرفان ليسا بفعل .
تقول : « ما القوم فيها إلّا زيد » ؛ لأنّ « فيها » مستقرّ ، وتقديره : ليس القوم فيها . إلّا أنّ « ليس » يجوز أن تنصب بها ما بعد « إلّا » ، لأنّها فعل ، فتقدّم خبرها وتؤخّره ، وقد مضى هذا التفسير في باب « ما » وباب « ليس » .
ولو قلت : « ما إلّا زيدا فيها أحد » ، لم يجز ؛ لأنّ « ما » ليست بفعل .
وتقول : « ليس إلّا زيدا فيها أحد » ؛ لأنّ « ليس » فعل .
وأمّا قوله اللّه عزّ وجلّ :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ
« 1 » فإنّ « أنفسهم » بدل من « شهداء » لأنّ « لهم » الخبر .
ولو نصبت « أنفسهم » ورفعت « شهداء » ، لصلح ، ولم يكن أجود الوجوه ؛ لأنّ « شهداء » نكرة ، ولكن لو نصبت « الشهداء » ورفعت « أنفسهم » ، كان جيّدا . وقد بيّنت هذا في باب « كان » .
وممّا يستوي فيه الأمران قول اللّه عزّ وجلّ :
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا
« 2 » ف « أن قالوا » مرفوع إذا نصبت الجواب ، وهو منصوب ، إذا رفعت الجواب ؛ لأنّهما
هامش
( 1 ) النور : 6 .
( 2 ) الأعراف : 82 ؛ والنمل : 56 ؛ والعنكبوت : 24 - 29 .