واعلم أنّ « لا » إن فصلت بينها وبين النكرة ، لم يجز أن تجعلها معها اسما واحدا ؛ لأنّ الاسم لا يفصل بين بعضه وبعض .
فتقول : « لا في الدار أحد » ، و « لا في بيتك رجل » . وقوله عزّ وجلّ :
لا فِيها غَوْلٌ
« 1 » لا يجوز غيره ؛ لأنّ « لا » ، وإن لم تجعلها اسما واحدا مع ما بعدها ، لا تعمل لضعفها إلّا فيما يليها .
ألا ترى أنّها تدخل على الكلام فلا تغيّره . ولو كانت ك « إنّ » وأخواتها ، لأزالت الابتداء ، ولا تعمل إلّا في نكرة ألبتّة ، ولو كانت كغيرها من العوامل ، لعملت في المعرفة ؛ كما تعمل في النكرة .
فإن قلت : فما قوله [ من الوافر ] :
[ 532 ] -
أرى الحاجات عند أبي خبيب * نكدن ولا أميّة في البلاد
هامش
( 1 ) الصافات : 47 .
[ 532 ] - التخريج : البيت لعبد اللّه بن الزبير في ملحق ديوانه ص 147 ؛ وخزانة الأدب 4 / 61 ، 62 ؛ والدرر 2 / 211 ؛ وشرح المفصل 2 / 102 ، 104 ؛ والكتاب 2 / 297 ؛ ولفضالة بن شريك في الأغاني 12 / 66 ؛ وشرح أبيات سيبويه 1 / 569 ؛ وبلا نسبة في رصف المباني ص 261 ؛ وشرح الأشموني 1 / 149 ؛ والمقرب 1 / 189 .
اللغة : أبو خبيب : عبد اللّه بن الزبير بن العوام . نكدن : من النكد ، وهو ضيق العيش وتعسّره . أميّة :
أي بني أميّة .
المعنى : يقول : إنّ حياة أبي خبيب أضحت متعسّرة ، لأنّه لم يمنحه ما أراد ، فلا يستطيع أن يعطي السائلين كما يفعل بنو أميّة الذين يعطون بلا حساب .
الإعراب : أرى : فعل مضارع ، والفاعل : أنا . الحاجات : مفعول به أول منصوب بالكسرة لأنّه جمع مؤنث سالم . عند : ظرف متعلّق بمحذوف حال من « الحاجات » ، وهو مضاف . أبي : مضاف إليه مجرور بالياء لأنّه من الأسماء الستّة ، وهو مضاف . خبيب : مضاف إليه مجرور . نكدن : فعل ماض ، والنون : فاعل .
ولا : الواو : حالية ، لا : نافية للجنس . أميّة : اسم « لا » مبنيّ على الفتح في محل نصب . في البلاد : جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر « لا » .
وجملة « أرى الحاجات . . » الفعليّة : لا محلّ لها من الإعراب لأنّها ابتدائيّة . وجملة « نكدن » الفعليّة :
في محلّ نصب مفعول به ثان ل « أرى » . وجملة « لا أميّة بالبلاد » الاسميّة : في محل نصب حال .
والشاهد فيه قوله : « ولا أميّة » حيث وقع اسم « لا » النافية للجنس معرفة ، وأوّل على تقدير : ولا مثل أميّة .