وكذلك تقول : « جئت في أوّل الناس » . وتقول : « ابدأ بهذا أوّل يا فتى » ، لمّا خرج من باب الإعراب ، فصار غاية ، خولف به عن جهته ، ولهذا موضع يذكر فيه مستقصى بحججه إن شاء اللّه .
* * * فإن قال قائل : فالمضاف والنكرة مخاطبان ، كما كان في المفرد المعرفة ، وقد كان حقّهما أن يخبر عنهما ، ولا يخاطبا .
قيل له : قد علمنا أنّ المضاف معرفة بالمضاف إليه ، كما كان قبل النداء والنكرة في حال النداء ؛ كما كان قبل ذلك .
و « زيد » وما أشبهه في حال النداء معرفة بالإشارة منتقل عنه ما كان قبل ذلك فيه من التعريف .
ألا ترى أنّك تقول - إذا أردت المعرفة - : « يا رجل أقبل » ، فإنّما تقديره : يا أيّها الرجل أقبل ، وليس على معنى معهود ، ولكن حدثت فيه إشارة النداء ، فلذلك لم تدخل فيه الألف واللام ، وصار معرفة بما صارت به المبهمة معارف .
والمبهمة مثل : « هذا » ، و « ذاك » ، « هذه » ، و « تلك » ، و « أولئك » و « ذاك » ، و « ذاكنّ » ، و « ذلكنّ » . إلّا أنّك إذا ناديته ، فهو معرفة بالإشارة ؛ كما كانت هذه الأسماء ، غير أنّه مخاطب ، وهي مخبر عنها . فهذا يوضّح لك أمر الواحد المفرد .
ومع ذلك أنّ المضاف تمنعه الإضافة من البناء : كما كان ذلك في « قبل » ، و « بعد » ، و « أمس » ، وما أشبههنّ .
تقول : « ذهب أمس بما فيه » ، و « قد ذهب أمسنا » ، وكذلك تقول : « جئت من قبل ، ومن بعد يا فتى » . كما قال اللّه عزّ وجلّ :
وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ
« 1 » ، فلمّا أضاف ، قال :
مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ
« 2 » و
مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
« 3 » .
* * * والفصل بين قولك : « يا رجل أقبل » ، إن أردت به المعرفة ، وبين قولك : « يا رجلا أقبل » ، إذا أردت النكرة ، أنّك إذا ضممت فإنّما تريد رجلا بعينه تشير إليه دون سائر أمّته .
وإذا نصبت ونوّنت ، فإنّما تقديره : يا واحدا ممّن له هذا الاسم ، فكلّ من أجابك من الرجال فهو الذي عنيت ، كقولك : « لأضربنّ رجلا » . فمن كان له هذا الاسم ، برّ به قسمك .
هامش
( 1 ) يوسف : 80 .
( 2 ) الفتح : 24 .
( 3 ) يوسف : 100 .