ومن قال الأوّل ، قال : « إنّ زيدا في الدار قائما » . فيكون « في الدار » الخبر ، ثمّ خبّر على أيّة حال وقع استقراره في الدار ، فقال : « قائما » ، أي : على هذه الحال ، ولمّا قال :
« قائم » إنّما قال « في الدار » ليخبر أيّ موضع وقع قيامه .
فنظير ذلك قوله جلّ وعلا
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ
« 1 » ، وقوله عزّ وجلّ
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فاكِهِينَ
« 2 » .
وذلك أنّ قوله « في جنّات » خبر « إنّ » ، فنصب « آخذين » و « فاكهين » على الحال .
ولو كان الظرف هو الخبر ، لرفع الخبر ؛ كما قال اللّه عزّ وجلّ
وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ
« 3 » لأنّ المعنى : وهم خالدون في النار . فإنّما « في النار » ظرف ل « الخلود » .
* * * وتقول : « هذا زيد راكبا » ، و « ذاك عبد اللّه قائما » .
فإن قال قائل : ما الذي ينصب الحال وأنت لم تذكر فعلا ؟
قيل له : « هذا » إنّما هو تنبيه . كأنّك قلت : انتبه له راكبا .
وإذا قلت : « ذاك عبد اللّه قائما » . « ذاك » للإشارة . كأنّك قلت : أشير لك إليه راكبا . فلا يجوز أن يعمل في الحال إلّا فعل أو شيء في معنى الفعل ؛ لأنّها مفعول فيها .
وفي كتاب اللّه جلّ وعلا :
وَهذا بَعْلِي شَيْخاً
« 4 » .
* * * ولو قلت : « زيد أخوك قائما » ، و « عبد اللّه أبوك ضاحكا » ، كان غير جائز ؛ وذاك أنّه ليس هاهنا فعل ، ولا معنى فعل ، ولا يستقيم أن يكون « أباه » في حال ، ولا يكون « أباه » في حال أخرى ، ولكنّك إن قلت : « زيد أخوك قائما » ، فأردت أخوّة الصداقة ، جاز ؛ لأنّ فيه معنى فعل . كأنّك قلت : زيد يؤاخيك قائما ، فعلى هذا يستقيم ويمتنع .
* * * واعلم أنّ الحال إذا كان العامل فيها فعلا صحيحا ، جاز فيها كلّ ما يجوز في المفعول به من التقديم والتأخير ، إلّا أنّها لا تكون إلّا نكرة .
هامش
( 1 ) الذاريات : 15 - 16 .
( 2 ) الطور : 17 ، 18 .
( 3 ) التوبة : 17 .
( 4 ) هود : 72 .