وقد بلغ الأمر في العصر العبّاسي الأوّل أن ظهر من البيت الحاكم نفسه رجال ونساء عرفوا بالخلاعة والمجون والطرب والغناء ، كإبراهيم بن المهدي المطرب العبّاسي الشهير ، والمغنّية الشهيرة عُلَيَّة بنت المهدي العبّاسي وأخت هارون اللارشيد . حتّى إذا ما أشرف عصرهم الأوّل على نهايته بالواثق ( 227 - 232 ه ) تفشّى الغناء والطرب والمجون بين أرباب الدولة .
ثالثاً - مجيء الصبيان إلى الحكم :
من آفات هذا العصر التي أدّت إلى انتكاسات سياسيّة خطيرة مجيء الصبيان إلى السلطة حتّى صاروا ألعوبة بيد النساء والأتراك والوزراء والجند وغيرهم من رجال الدولة ، نظير المقتدر باللَّه ( 295 - 320 ه ) الذي كان عمره يوم وُلي الخلافة ثلاث عشرة سنة « 1 » ؛ ولهذا استصباه الوزير العبّاس بن الحسن حتّى صار ألعوبة بيده ، وكان صبيّاً سفيهاً ، فرّق خزينة الدولة على حظاياه وأصحابه حتّى أنفدها « 2 » .
رابعاً - تدخّل النساء والخدم والجواري في السلطة :
يرجع تاريخ تدخّل النساء في شؤون الدولة العبّاسيّة إلى عصرها الأوّل ، وتحديداً إلى زمان الخيزران زوجة المهدي العبّاسي ( 158 - 169 ه ) التي تدخّلت في شؤون دولته ، واستولت على زمام الأمور في عهد ابنه الهادي ( 169 - 170 ه ) « 3 » ، وكذلك في هذا العصر حيث تدخّلت قبيحة امّ المعتزّ ( 252 - 255 ه ) في شؤون الدولة « 4 » .
واستفحل أمر النساء والخدم في عهد المقتدر ( 295 - 320 ه ) ، قال ابن الطقطقي :
« كانت دولته تدور أمورها على تدبير النساء والخدم ، وهو مشغول بلذّته ، فخربت الدنيا في أيّامه ، وخلت بيوت الأموال » « 5 » .
وذكر مسكويه ما كان لقهرمانات البلاط العبّاسي من دور كبير في رسم سياسة الدولة « 6 » .
هامش
( 1 ) . تاريخ الطبري ، ج 10 ، ص 129 .
( 2 ) . البداية والنهاية ، ج 11 ، ص 119 .
( 3 ) . تاريخ الطبري ، ج 6 ، ص 421 - 422 ؛ فتوح البلدان ، ج 2 ، ص 336 .
( 4 ) . تاريخ الطبري ، ج 7 ، ص 524 ، 525 ، 526 ، 529 ، 539 ، 540 .
( 5 ) . الفخري في الآداب السلطانيّة ، ص 262 .
( 6 ) . تجارب الأمم ، ج 1 ، ص 44 .