Skip to main content

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — Page 261

Contributors:

P.261
وثالث هذه المنازل إغفال المراقبة حتى يهم بالفعل ويعزم عليه ثم يتيقظ فيندم على ما أضمر ويتخلى على ما عقد العزم عليه ثم منزلة رابعة للتوبة حين يغفل المراقبة حتى تشرع الجوارح في العمل من لحظة بعين أو إصغاء بأذن أو مد بيد أو خطوة برجل ثم يتيقظ ويفزع قبل أن يتم العمل . ثم منزلة من أتم السوء وفرغ منه ثم ندم بعد أن فعل فتاب وأقلع ولم يصر على ذنبه . ثم منزلة من أغفل محاسبة نفسه فأقام على الذنب ولكنه فزع فأقلع عن بعضه وأقام على البعض ، فالرجل يتولى الجباية ويظلم الناس ثم ينوى ألا يظلم أحدا ولكن نفسه لا تطيب ترك ديوانه ولا ولايته أو كالتاجر يعمل بالربا والكذب في المراجعة يمدح سلعته ويذم سلعة غيره ثم يتوب عن الربا ولا يتوب عن الكذب . ويطلب الصوفية المراقبة والمحاسبة والحذر من الخطرات حتى لا يصل الذنب إلى أن يكون فعلا ترتكبه الجارحة . على أن الإنسان إذا تاب فلا يعنى ذلك أن النفس قد استسلمت للهزيمة بل لعلها لاجئة إلى بعض خدعها لعلها تستعيد شهواتها فلا زال الطبع قائما ولا زالت الدنيا أمام عيني التائب بزينتها وزخرفها فإن أنست في الهمة فتورا أو في العزم ضعفا دعت الإنسان إلى الاستجابة ولو مرة لأهوائه طالبة ألا يشتط في حربه وإقلاعه متعللة أن ذلك ليس قدحا في عزيمته ولا ردة إلى معاصيه وإنما عليه أن يعود مرة استرواحا وتجديدا للهمة ، تلك خدع النفس لتقوى بها على أمرها فلا تزال بالإنسان إن استجاب لها حتى تغلبه على أمره . وإذا يئست النفس أن تسترد أهواءها طلبت أن تستعيض عنها بغيرها عوضا عما فطمت عنه ولكن على الإنسان أن يكشف عن لومها بدوام اليقظة .