Skip to main content

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — Page 240

Contributors:

P.240
مطلقة على نحو ما ذهبت بعض الاتجاهات الوجودية المعاصرة التي أرادت أن تحرر الإنسان من ماهيته باسم حريته فجعلت الحرية في الانفصال عن الماضي وعن الذات وعن العالم وعن كل شئ وتركته يعيش وحيدا في حالة من الهجر والعزل يمارس القلق باسم الحرية واليأس باسم التحرر ويعيش في ظلام عن كل شئ ، أما الصوفي فإذ يتحرر من النفس والعالم فإنه يجتاز مرحلة الانفصال إلى اتصال باللّه فهو من كل ما دونه حر لأنه للّه وحده عبد هو حر عن كل ما سوى اللّه وعبد في الحقيقة للّه ، والمرحلتان تتمان دون فاصل زمنى ، ففي الحرية تمام العبودية من حيث إنه قد أفنى مراداته وقام بمراداة سيده ، فالعبودية شهود الربوبية ، ومن أراد الحرية فليصل العبودية « 1 » . ومفهوم الحرية لدى الصوفية قد غيّر مفاهيم ألفاظ أخرى كالفقر والعز والذل والإرادة والعبودية ، فليس الفقير الصوفي من لا يملك شيئا ولكن من لا يملكه شئ ، وليست العزة فيما يمتلكه الإنسان من ثروة وجاه وإنما فيمن ملك النفس ، كما أن الذل فيمن ملكته نفسه إذ لا رق أملك للإنسان من الشهوة « 2 » . ويتضح في المفهوم الصوفي للحرية طرفاه المتناقضان حيث إرادة قوية تسعى للتحرر من كل رق وتقطع صلتهما بكل شئ من جانب ثم تلقى بنفسها في العبودية للّه مسلمة بالجبر المطلق من جانب آخر . والحرية لدى القوم ليست وصفا للإرادة الإنسانية ولكنها مقام يسعون إلى بلوغه ، إنها ليست مسلمة يفترض وجودها ليتسنى بها قيام الأخلاق ، ولكنها غاية يسعون إلى تحقيقها وقيمة تحدد موقف الإنسان إزاء اللّه والعالم والنفس . ذلك مفهوم مختلف للحرية مستمد من نهجهم الذوقى ، لقد طرحوا جانبا ذلك الجدل الذي لا ينتهى حول القضاء والقدر واستبدلوا به حرية مبدعة
Footnote
( 1 ) القشيري : الرسالة ص 100 والسراج الطوسي ( اللمعة ص 53 . والسلمى ) طبقات الصوفية ص 158 / 245 . ( 2 ) السلمى : طبقات الصوفية ص 215 .