Skip to main content

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — Page 238

Contributors:

P.238
ليست الحرية إذا في موقف عدم الاكتراث أو اللامبالاة في الاختيار ولكنه عدم الاكتراث إزاء علائق الدنيا وأحوالها فيستوى لدى المريد كل شئ من شدة أو رخاء ومنع أو عطاء ومن فقر أو يسر وهو إذ يتجرد من التعلق بشئ من أحوال الدنيا فإن ذلك ينعكس على نفسه فلا يفرح بموجود ولا يأسف على مفقود ، ويكون في القلة كما يكون في النعمة ، بل قد تكون القلة عنده أعظم من النعمة إذ يفرح بتحرره من علائق الدنيا كما يفرح أن لن يسأل في الآخرة عن النعيم « 1 » ، فالحرية في التصوف حالة استواء تام بين وجود اللذات وبين فقدها ، فإذا عزف الإنسان عن الشهوات وأعرض عن كل متع الحياة فتلك هي الحرية ، يقول الرسول : عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها ومدرها ، فليست الحرية في حرية الجوارح في التصوف ولكنها حرية القلب لا غير « 2 » ، فلا يكون في حال يكره ولا ينتقل إلى حال فيسخط ، وإنما إن اسطتاع ألا يجزع من شئ فلا يفزع من جوع أو عرى أو فقر أو ذل ، ولا تسترقه عاجل دنيا ولا حاصل هوى ولا آجل منى ولا سؤال ولا قصد ولا أرب ولاحظ ، فإن استوفى العبد ذلك كله فقد ذاق طعم الحرية ، واستراح من رق العبودية للأغيار لأن من استولت عليه النفس صار أسير الشهوات محصورا في سجن الهوى « 3 » ، وإن ادعى الإنسان الحرية وفي قلبه مراد باق من التعلق بأسباب الحياة فهو كاذب في دعواه . وبصرف النظر عن اختلاف الصوفية حول التكسب فإنهم يلتقون عند ضرورة تحرر النفس من التعلق بالأسباب في التكسب ، فذلك عندهم يتنافى مع صريح الحرية ، فقد دعا أحدهم لمريد له يتكسب وراء حمار أن يميت اللّه عنه الحمار ليكون عبد اللّه لا عبد الحمار ؟ وليس مفهوم الحرية في التصوف مجرد حالة انفصال بين الإنسان وبين
Footnote
( 1 ) السلمى : طبقات الصوفية ص 65 ( عبارة شقيق البلخي ) . ( 2 ) المرجع السابق ص 343 ( عبارة الشبلي ) . ( 3 ) المرجع السابق ص 262 ( عبارة أبى محمد الجريري ) .