رؤية اللّه عزّ وجلّ بالأبصار ، واتفقوا على القول بحدوث كلام اللّه وأنّ اللّه غير خالق لأكساب الناس والناس هم الذين يقدرون على أكسابهم والقول بأنّ المسلم العاصي في منزلة بين المؤمن والكافر وهو فاسق » « 1 » ، واتسعت حركتهم في عصر الصادق اتساعا كبيرا « وكانوا يكرهون الأمويين ويكرههم الأمويون . .
وفي بدء العصر العباسي نشطت دعوتهم ، وبعثوا الدعاة إلى أقصى الأقطار ينشرون مبادءهم . . . وكان زعيمهم عمرو بن عبيد « 2 » مهادنا للمنصور لا يخرج عليه ، ولكن لا يعاونه . » « 3 »
ج - الجهمية « 4 » أو الجبرية :
خاض العلماء في حديث القدر وقدرة الإنسان بجوار قدرة اللّه سبحانه وتعالى في عهد بني أمية ، وكان فريق منهم زعموا أن الإنسان لا يخلق أفعاله ، وليس له مما ينسب إليه من الأفعال شيء ، وإنما هو مجبور فيها ولا قدرة ولا إرادة ولا اختيار له .
فقوام هذا المذهب « نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى » « 5 » فإنّ الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة . و « القول في الجبر شاع في أول العصر الأموي ، وكثر حتى صار مذهبا في آخره » « 6 » له ناس يعتنقونه ، ويدعون إليه ، ويدرسونه ، ويبيّنونه للآخرين .
ويقال : إن أول من دعا إلى هذه النحلة من المسلمين الجعد بن درهم « 7 » ، ثم
هامش
( 1 ) البغدادي ، الفرق بين الفرق ، مرجع سابق ، ص 114 ( بتصرف ) .
( 2 ) عمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء ( 80 أ 144 ه ) ، أبو عثمان البصري شيخ المعتزلة في عصره وفقيهها وأحد الزهاد المشهورين ، اشتهر عمرو بعلمه وزهده وأخباره مع المنصور العباسي وغيره ، له رسائل وخطب وكتب منها « التفسير » و « الرد على القدرية » ، توفي بمروان قرب مكة ، ورثاه المنصور ، ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه . وفي العلماء من يراه مبتدعا ، قال يحيى بن معين : كان من الدهرية الذين يقولون إنما الناس مثل الزرع . ( الزركلي ، الأعلام 5 / 81 )
( 3 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، مرجع سابق ، ج 3 ص 90 .
( 4 ) نسبة إلى الجهم بن صفوان .
( 5 ) الشهرستاني ، الملل والنحل ، مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة ، 1408 ، ج 1 ، ص 79 .
( 6 ) محمد أبو زهرة ، تاريخ المذاهب الإسلامية ، مرجع سابق ، ص 104 .
( 7 ) الجعد بن درهم ( نحو 118 ه ) ، من الموالي : مبتدع ، له أخبار في الزندقة . سكن الجزيرة الفراتية ، أخذ عنه مروان بن محمد لما ولي الجزيرة ، في أيام هشام بن عبد الملك فنسب إليه .
أو كان الجعد مؤدبه في صغره . ومن أراد ذم مروان لقّبه بالجعدي نسبة إليه . وقال ابن الأثير :
كان مروان يلقب بالجعدي ، لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدرة . ( الزركلي ، الأعلام 2 / 120 ) .