وهكذا حث الإمام تلاميذه على التعاون والتكافل بلسان واضح وصريح ، فقال :
« إن اللّه خلق خلقا من رحمته برحمته لرحمته ، وهم الذين يقضون الحوائج للناس ، فمن استطاع منكم أن يكون منهم فليكن » « 1 » .
ولم يقتصر الصادق في دعوته على تلبية الحاجات الخاصة فقط ، بل لفت أنظار تلاميذه إلى حاجات إنسانية أخرى قد لا ينتبه إليها عادة ، فقال : « إسماع الأصم من غير تضجّر صدقة هنيئة » « 2 » .
إسماع الأصمّ من الأمور المستحيلة طبعا ، إلا أن في هذه الدعوة إشارة إلى اتباع الأسلوب المناسب الذي يستطيع من خلاله الشخص القادر إيصال ما أمكنه من أنواع المساعدة إلى الشخص المحتاج وبأية وسيلة ممكنة .
وقد نرى من خلال جهود أبي عبد اللّه في التربية تأكيده على بذل أقصى الجهد والسعي في قضاء حوائج الآخرين ، واعتبار عدم تأديتها خيانة ، حيث قال :
« أيّما رجل من أصحابنا استعان به رجل من إخوانه في حاجة فلم يبالغ فيها بكل جهده فقد خان اللّه ورسوله والمؤمنين » « 3 » .
ولم يكتف الإمام بذلك ، بل دعا الإنسان الذي قد لا يتمكن من قضاء حوائج الغير بنفسه أو بماله ، أن يسعى في قضائها عند من يستطيع ، وهذا ما ورد في وصيته بقوله : « الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة ، وقاضي حاجته كالمتشحّط بدمه في سبيل اللّه . . . » « 4 » .
إلّا أنه ورغم اهتمام الإمام بقضاء حوائج الناس ودعوته إليها ، فقد حذّر من أن تؤدي هذه الخدمة إلى استغلال الفرد وتحقيره ، فوضع لها حدّا يقف عند كرامة المؤمن وصيانة عزّته ، فقال : « أخدم أخاك فإن استخدمك ألا وهي الكرامة » « 5 » .
ولطالما حدّث الصادق تلاميذه عن أخلاقيات قضاء الحوائج ، فقال : « لا يتم المعروف إلا بثلاثة : تصغيره وستره وتعجيله » « 6 » فإن كان غير ذلك محقته ونكدته » « 7 » .
ثم شرح الإمام أسبابها فقال :
هامش
( 1 ) ابن عبد ربه الأندلسي ، العقد الفريد ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1983 ، ج 1 ، ص 235 .
( 2 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 134 ، ح 15862 .
( 3 ) أحمد بن محمد البرقي ، المحاسن ، ج 1 ، دار الكتب الإسلامية ، إيران ، ص 98 ح 65 .
( 4 ) الحراني ، تحف العقول ، ص 303 .
( 5 ) المفيد ، الاختصاص ، ص 243 .
( 6 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج 6 ، ص 263 .
( 7 ) الصدوق ، الخصال ، ص 133 .