وقد أتى تمثيل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » لأفراد المجتمع في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كجسم واحد متماسك ، يتأثر كل عضو فيه بالآخر ولا سيما في الحالات الصعبة ، وفي هذا انعكاس لواقع المجتمع المتآخي والمتآلف الذي يساند أفراده بعضهم البعض .
وقد استخدم الإمام الصادق أيضا هذا التشبيه متأسيا بجدّه فقال :
« واللّه لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون لأخيه مثل الجسد ، إذا ضرب عرق واحد تداعت له سائر عروقه » « 2 » . فقد اعتبر الإمام في كلامه ، الأخوّة شرط الإيمان ، وهي من المقومات الأساسية في تركيب بناء الأمة الإسلامية . فهو يرى أن حبّ الإنسان المسلم لدينه يتجسّد في حبه لأخيه ، فقال : « من حبّ الرجل دينه حبّه أخاه » « 3 » .
وقد كان الإمام يسعى دوما إلى إيجاد المواقف التي توطّن روح الأخوة والمحبة بين تلاميذه ، فكان يرشدهم إلى ما يعزز بقاء المودة بينهم ، وذلك عبر أمور عدة ، منها :
* التّزاور :
يقول أبو عبد اللّه لتلاميذه في هذا الصدد : « تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه » « 4 » ؛ لأن اختلاط المؤمنين بعضهم ببعض يوفّر الحبّ فيما بينهم ويقوّي عزائمهم على فعل الخير ، وتجعل كلّا منهم يذكّر من نسي ذكر اللّه .
* التناصف :
وجّه الإمام تلاميذه إلى مستلزمات الأخوة فقال : « يحتاج الإخوة فيما بينهم إلى ثلاثة أشياء ، فإن استعملوها وإلا تباينوا وتباغضوا ، وهي : التناصف ، التراحم ، ونفي الحسد » « 5 » . فمفهوم الإنصاف أن لا يرضى المرء لنفسه بشيء إلا رضي لأخيه مثله .
* التهادي :
أوصى الإمام تلاميذه أن يتبادلوا الهدايا قائلا : « تهادوا تحابّوا فإن الهدية تذهب بالضغائن » « 6 » ؛ لأن من شأن هذه الظاهرة الكريمة تعميق جذور المحبة والمودة بين
هامش
( 1 ) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » . أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب البرّ والآداب ، ص 1999 .
( 2 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 71 ، ص 274 .
( 3 ) المفيد ، الاختصاص ، مرجع سابق ، ص 31 .
( 4 ) ورام بن أبي فراس ، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ، مرجع سابق ، ج 2 ، ص 179 .
( 5 ) الحراني ، تحف العقول ، ص 323 .
( 6 ) الصدوق ، الخصال ، ص 27 .