إلى عبادة ، ولو دعوهم ما أجابوهم ، ولكن أحلوا لهم حراما وحرّموا عليهم حلالا ، فعبدوهم من حيث لا يشعرون » « 1 » .
وفي تعبير آخر يقول : « واللّه ما صاموا لهم ولا صلوا ، لكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فاتبعوهم » « 2 » .
فالاتباع دون فهم ، في الحلال والحرام ، أو غيرهما ، ترك لزمام النفس في قبضة الغير ، وإهدار لحريتها وقدرتها ، وتلك عبادة لغير اللّه .
ذهب الإمام الصادق إلى بيت أحد تلاميذه وكان بيتا صغيرا جدا وكأنّه كان من الذين يعلم الإمام أنّ حالته تقتضي أن يكون له بيت أفضل فقال له الإمام :
« لماذا تسكن في هذا البيت ؟ من سعادة المرء سعة داره ، فقال : يا ابن رسول اللّه ؟ إنّ هذا بيت آبائي وأجدادي ولا أستطيع مغادرته ، وبما أن أبي وجدي كانا فيه ، فلا أريد مفارقته فقال الإمام : لو كان أبوك جاهلا فهل عليك أن تقيّد نفسك بجهل أبيك ؟ اذهب وهيئ لنفسك بيتا أفضل » « 3 » .
ولقد حرص الصادق على التنمية العقلية من خلال استفزازه للعقل المسلم كي يعمل في تحصيل الوعي والمعرفة وحرية التفكير فقال لرجل من تلاميذه : « . . . إياك أن تنصب رجلا دون الحجة فتصدق في كل ما قال ، وتدعو الناس إلى قوله » « 4 » .
المراد أن الإنسان ينصب رجلا فيصدّقه في كل ما يقول برأيه من غير أن يسند إلى الدلائل العقلية أو النقلية .
أما « عامل التقليد لا يتخلّص في تقليد الأفراد منّا بل كثيرا ما يفقد شعب استقلاله وشخصيته تجاه شعب آخر ذي امتياز خاص في الحياة المادية ومن المجتمعات المتقدمة ، فيبالغون في الانجذاب إليها من الناحية الشخصية ومن ناحية الحركات والسكنات وبصورة غير منطقية ويودّون تلقي كل شيء من ذلك » « 5 » .
فقال الإمام : « لا تكوننّ إمّعة « 6 » ، تقول : أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس » « 7 » .
هامش
( 1 ) الطباطبائي ، الميزان ، ج 9 ، ص 255 .
( 2 ) المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 24 ، ص 246 .
( 3 ) مرتضى مطهري ، التربية والتعليم في الإسلام ، دار الهادي ، بيروت ، 2000 ، ص 28 .
( 4 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 70 ، ص 153 .
( 5 ) محمد تقي مصباح ، الأخلاق في القرآن الكريم ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت ، 2004 ، ج 1 ، ص 294 ( بتصرف ) .
( 6 ) الإمعة هو الذي لا رأي له ولا عزم فهو يتابع غيره على رأيه ولا يثبت على شيء ( الحبنكه ، أخلاق إسلامي ، 1 / 764 ) .
( 7 ) الصدوق ، معاني الأخبار ، مرجع سابق ، ص 266 .