بأيديهم إلى الطريق المستقيم . من ثم يرى الصادق أن أفضل الفرائض وأوجبها على الإنسان بعد معرفة الرب معرفة الرسل والشهادة لهم بالنبوة ، فيقول : « بعث اللّه أنبياءه ورسله ونبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فأفضل الدين معرفة الرسل وولايتهم » « 1 » .
وقد اعتبر الإمام أنّ الاعتقاد بأنبياء اللّه ورسله ناتج عن الإيمان باللّه ومعرفة صفاته ، فعند ما يسئل من أين أثبتّ الأنبياء ؟
قال : « إنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا ، لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه ، فيباشرهم ويباشروه ويحاجهم ويحاجوه ، ثبت أن له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه وعباده ، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم . فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه جل وعز وهم الأنبياء وصفوته من خلقه » « 2 » .
لقد أمرنا اللّه أن نؤمن بجميع الرسل ؛ لأن كل الرسالات الإلهية تنبع من مصدر واحد وتتفق في توحيد اللّه والأمر بعبادته وفي أسس الدين ومبادئه ، قال تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا
« 3 » .
انطلاقا من تعاليم القرآن ، ينبه أبو عبد اللّه إلى أنّ الإيمان بواحد من الرسل لا ينفك عن الإيمان بجميع الأنبياء الصادقين ، فوجب الإيمان بهم جميعا ، ولا يصحّ إيمان من أنكر نبوة واحد من الرسل قائلا : « إعلموا أنه لو أنكر رجل عيسى بن مريم وأقر لمن سواه من الرسل لم يؤمن » « 4 » .
وقد « اقتضت حكمة اللّه أن يجعل الأنبياء أكمل البشر خلقا وأفضلهم علما وأشرفهم نسبا وأعظمهم أمانة حتى يكونوا أسوة كاملة للبشر » « 5 » فلذا لم يكتف أبو عبد اللّه بترسيخ العقيدة بالأنبياء فحسب ، بل يصفهم بالخصائص التي تجعلهم أهلا لحمل الرسالة ، وذلك لغرس حبّهم في النفوس والسير على نهجهم كقوله : « إنّ الصبر والصدق والحلم وحسن الخلق من أخلاق الأنبياء عليهم السّلام » « 6 » .
هامش
( 1 ) محمد كاظم قزويني ، موسوعة الإمام الصادق ، مرجع سابق ، ج 12 ، ص 163 .
( 2 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 1 ، كتاب الحجة ، ح 1 .
( 3 ) سورة الشورى ، الآية 13 .
( 4 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب خصال المؤمن ، ح 3 .
( 5 ) محمد علي الصابوني ، النبوة والأنبياء ، د . ن ، مكة المكرمة ، ص 40 .
( 6 ) محمد حسين الطباطبائي ، سنن النبي ، المكتبة الإسلامية ، قم ، 1396 ، ص 59 .