والحكمة فيما ذرأ الباري ، وبرأ من صنوف خلقه في البر والبحر ، والسهل والوعر ، فخرجوا بقصر عقولهم إلى الجحود ، وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود ، حتى أنكروا خلق الأشياء ، وادعوا أن تكونها بالإهمال ، ولا صنعة فيها ، ولا تقدير ، ولا حكمة من مدبر ، ولا صانع ، تعالى اللّه عما يصفون » « 1 » .
فالصادق يربط طريق المعرفة باللّه « بالتعرّف على إبداعه وتمام صنعه واتصال تدبيره ، بافتقارنا إليه ، بتغيير كل شيء وتسخيره » « 2 » .
وتتبلور رؤيته في اللّه بأنّه موصوف بصفات الكمال : « واحد ، صمد ، أزلي ، غير محسوس ، لا تدركه الأبصار ، علا فقرب ، دنا فبعد ، عصي فغفر ، وأطيع فشكر ، لا تحويه أرضه ولا تقله سماواته ، لا ينسى ولا يلهو . . . » « 3 » .
كما أنه ينزّهه تنزيها مطلقا عن النقص والتشبيه بقوله : « لم يلد أنّ الولد يشبه أباه ولم يولد فيشبه من كان قبله ولم يكن له من خلقه كفوا أحد . . . لا يوصف بزمان ولامكان ولا حركة ولا سكون بل خالق الزمان والمكان والحركة والسكون . . . » « 4 » .
وينفي منه تعالى أي صفة من صفات المخلوق كقوله : « لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس « 5 » . . . ولو كان اللّه تعالى جسما لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق » « 6 » .
وإنّ تصور العقيدة كما يبدو عنده يوحي بأنّ على الإنسان أن يعرف ربّه معرفة حقيقية وهذا ما أوضحه إذ قال :
« ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في ملك اللّه ويأكل من نعمه ثم لا يعرف اللّه حق معرفته » « 7 » .
فهو يرسم الطريق الصحيح إلى معرفة اللّه بأنّه الرجوع إلى القرآن والاقتصار على ما وصفه اللّه به نفسه قائلا :
هامش
( 1 ) كاظم المظفر ، توحيد المفضل ، مؤسسة الوفاء ، بيروت ، ط 2 ، 1404 ، ص 9 .
( 2 ) عبد القادر محمود ، رائد السّنة والشيعة ، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ، القاهرة ، 1970 ، ص 50 .
( 3 ) محمد كاظم القزويني ، موسوعة الإمام الصادق ، المطبعة سيد الشهداء ، قم ، 1415 ، ج 4 ، ص 398 .
( 4 ) الصدوق ، التوحيد ، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية ، قم ، 1387 ، ص 104 و 184 .
( 5 ) أبو طالب المكي الحارثي ، قوت القلوب في معاملة المحبوب ، القاهرة ، ص 58 / دار صادر ، بيروت ، 1995 .
( 6 ) محمد كاظم القزويني ، موسوعة الإمام الصادق ، ج 4 ، ص 279 .
( 7 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 54 .