16 - تواضع علي الحاكم المقتدر
وليس هناك كبح لجماح النفس أسمى وأفضل وأبلغ وأعجب من التواضع بالنسبة للإنسان السياسي المخلص ، وللإنسان العظيم الذي لا يبغي الاستجابة لأهوائه النفسية .
وتصوروا هذا الإنسان نفسه في موقع رئاسة العالم الإسلامي ، حينما أصبح زعيما للمسلمين . فانهال الناس عليه وانتخبوه ، شاء أم أبى . فكان الكل - الصديق والعدو والمنافس وغيرهم - بين مبايع وبين من أعلن عدم معارضته ، وهؤلاء الذين امتنعوا عن البيعة كان عددهم ضئيلا جدا ، أربعة إلى ستة أشخاص ، لكنهم قالوا أننا لا نعارض ، وتنحّوا جانبا ، والبقية بايعوا بأجمعهم ، وأصبح زعيما لكل العالم الإسلامي .
أتعلمون ما ذا يعني العالم الإسلامي يومذاك ؟ إنّه من حدود الهند إلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط . هذا هو العالم الإسلامي آنذاك حيث كان يضم العراق ومصر والشام وفلسطين وإيران وغيرها ، أي لعله كان رئيسا لنصف العالم المعمور آنذاك ، وبقدرة تامّة .
وكانت معيشة أمير المؤمنين عليه السّلام وزهده الذي سمعتم به ، يتعلق بهذه الفترة .
فالحياة الجميلة ولذّاتها ورغدها وجمالها وغيرها من الأمور - التي يكفي واحد منها لاستمالة شخصيات كبرى واضطرابها في بوتقة ذلك الاختبار وانزلاقها وخروجها عن الصراط - لم تستطع بأجمعها أن توقع أمير المؤمنين عليه السّلام في مهاوي الشك والاضطراب حتى لحظة واحدة ؛ ناهيك أن تميله عن الصراط .