فقال له الحرّ ( معبّرا عن مشهد وقوعه بين الطريقين ) : إنّي واللّه اخيّر نفسي بين الجنّة والنار ، فو اللّه لا أختار على الجنّة شيئا ولو قطّعت وأحرقت » .
فأدركته السعادة ، وحصل له ذاك التحوّل الدفعي الذي انتهى به الأمر بعد حالة الشقاء إلى حالة استحقّ بها رثاء الحسين عليه السّلام إيّاه بعد استشهاده - على ما في التأريخ - بقوله وهو يمسح وجهه : « أنت الحرّ كما سمّتك امّك ، وأنت الحرّ في الدنيا ، وأنت الحرّ في الآخرة » .
ورثاه رجل من أصحاب الحسين عليه السّلام وقيل : بل رثاه عليّ بن الحسين عليه السّلام قائلا :
لنعم الحرّ حرّ بني رياح * صبور عند مختلف الرماح
ونعم الحرّ إذ نادى حسينا * فجاد بنفسه عند الصباح
فيا ربّي أضفه في جنان * وزوّجه مع الحور الملاح « 1 »
وثانيهما : من كان في النقطة المقابلة للمثل الأوّل الذي ذكرناه ، فهو - أيضا - شهد في نفس تلك القصّة وهي قصّة الحسين عليه السّلام مشهد التقابل العنيف بين مصالح المبدأ والإسلام والفضيلة من ناحية ، ومصالحه الشخصية الدنيئة من ناحية أخرى وهزّ ذلك مشاعره ، ولكنّه تحول إلى شقاء لا نهاية له . فقصّة واحدة حوّلت الشخص الأوّل إلى سعادة أبديّة بسبب مشهد التقابل بين المصلحتين والموازنة بينهما ، وحوّلت الشخص الثاني بنفس السبب إلى شقاء أبديّ ألا وهو : عمر بن سعد ، رأى نفسه مخيّرا بين الدنيا والآخرة ، وعبّر هو عن هذا المشهد بأروع تعبير ؛ إذ قال :
فو اللّه ما أدري وإنّي لحائر * أفكّر في أمري على خطرين
أأترك ملك الري والريّ منيتي * أم أرجع مأثوما بقتل حسين
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : 45 / 10 - 14 . وفي نقل آخر ورد البيتان الأوّلان عن الحسين عليه السّلام .
المصدر السابق : 44 / 319 .