ما رواه الشيخ الطوسي في الأمالي عن ابن عباس ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « لما عرج بي إلى السماء دنوت من ربّي - عزّ وجلّ - حتّى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى » .
وما رواه الصدوق في العلل عن هشام بن الحكم ، عن موسى بن جعفر عليهما السّلام :
« فلمّا أسري بالنبيّ وكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى رفع له حجاب من حجبه » « 1 » .
أقول : ومن هذا القبيل ما ورد في دعاء الندبة :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
دنوّا واقترابا من العليّ الأعلى .
فإذن المناسب لكلّ هذا هو التفسير الثاني . ويبدو أنّ المقصود به هو : المشاهدة الحضوريّة بالقلب التي لا يمكن أن تخطأ ، ويكون ذلك - بلا تشبيه - من قبيل مشاهدتنا لأنفسنا ولحبّنا وبغضنا وما إلى ذلك ممّا هو حاضر لدى أنفسنا . وهذه مشاهدة مصونة عن الخطأ ؛ ولذا قال تعالى :
أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى
ففرق بين العلم بالأمور التي هي منفصلة عن النفس ، والتي يمكن فيها الخطأ ، والعلم بمشاهدة ما هو متصل بالنفس . والمثال الذي مثّلنا به من مشاهدتنا لأنفسنا ولحبّنا وبغضنا وما إلى ذلك ، إنّما هو مثال بقدر عقولنا الناقصة وأفهامنا القاصرة ، وإلّا فأين المشبّه به من المشبّه .
ثمّ إنّ تجلّي اللّه - سبحانه - لرسوله مرّتين في حياته كما ورد في هذه الآيات ، لا ينافي افتراض دوام التجلّي له طيلة عمره المبارك ؛ وذلك لإمكان حمل هاتين المرّتين على مراتب عليا من التجلّي ، وافتراض التجلّي على مراتب متفاوتة .
ومن جملة مراتبها المرتبتان التاليتان ، واللتان لا نستطيع أن نفهم مغزاهما قبل أن نصل إليهما :
هامش
( 1 ) راجع تفسير « نمونه » 22 / 487 - 489 .