أعدل وأحكم من ذلك . قال : ثمّ قال : قال اللّه : يا بن آدم أنا أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيّئاتك منّي . عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك » « 1 » .
انظر إلى هذه الرواية الطريفة كيف تشير إلى إفاضة القدرة من اللّه وانتساب الفعل إلى العبد ، وتقول عن لسان اللّه تعالى : « يا بن آدم أنا أولى بحسناتك منك » ؛ لأنّ قدرتك عليها منّي . « وأنت أولى بسيّئاتك منّي » ؛ لأنّ قدرتك التي أخذتها منّي صرفتها فيما هو مبغوض لي بحسب عالم التشريع .
والخامسة : الرواية المرويّة عن جعفر الصادق عليه السّلام أنّه قال لقدريّ : « اقرأ الفاتحة ، فقرأ ، فلمّا بلغ قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
« 2 » . قال له جعفر عليه السّلام : على ما ذا تستعين باللّه وعندك أنّ الفعل منك ، وجميع ما يتعلّق بالأقدار والتمكين والألطاف قد حصلت وتمّت ؟ ! فانقطع القدريّ » « 3 » .
أمّا ما قاله صاحب منازل السائرين من : أنّ الدرجة الثانية للتوكّل تشتمل على ترك الأسباب طلبا للاجتهاد في التوكّل ، فهذا كلام باطل ؛ وذلك لأنّ اللّه تعالى وإن كان هو المدبّر للأمور
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
« 4 » وهو
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . . .
« 5 » .
إلّا أنّ تدبيره على نمطين :
أحدهما : تدبيره لما لا يعقل ولا يدرك ولا يريد ولا يختار كما في الجمادات والنباتات ، فهو يدبّر أمرها أفضل تدبير من دون توسّط اختيار تلك الأمور
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ص 157 الحديث 3 .
( 2 ) السورة 1 ، الحمد ، الآية : 5 .
( 3 ) مرآة العقول : 2 / 179 .
( 4 ) السورة 32 ، السجدة ، الآية : 5 .
( 5 ) السورة 32 ، السجدة ، الآية : 7 .