وفيهم شاب يضحك ، فسأله عن حاله وحالهم فأنشأ يقول :
إنّهم عبدوك « 1 » من خوف نار * ويرون الثواب فضلا جزيلا
أو لأن يسكنوا الجنان فيسقوا * من عيون رياضها سلسبيلا
ليس لي في الجنان يا قوم رأي * أنا لا أبتغي لحبّي بديلا
قلت : يا فتى ما هذا التجرّيء على حبيبك ، وما حيلتك إن طردك ؟ ! فأنشأ :
أنا إن لم أجد من الحبّ وصلا * رمت في النار منزلا ومقيلا
ثمّ أزعجت أهلها بندائي * بكرة في حميمها وأصيلا
معشر المشركين نوحوا عليّ * أنا عبد أحبّ مولى جليلا
لم أكن في الذي ادّعيت محقّا * فجزائي به العذاب طويلا « 2 »
أقول : لاحظ كيف تورّط صاحب هذا الكلام العرفاني في الخلط بين فرض الحبّ وفرض كذبه في الحبّ ، وقايس بين هذا العرفان المنحرف عن خط أهل البيت والعرفان الكامن في الكلمة المنقولة عن إمامنا زين العابدين عليه السّلام : « . . . لئن أدخلتني النار لأخبرنّ أهل النار بحبّي لك . . . » « 3 » وأيضا المرويّ في نفس الدعاء :
« . . . إلهي لو قرنتني بالأصفاد ، ومنعتني سيبك من بين الأشهاد ، ودللت على فضائحي عيون العباد ، وأمرت بي إلى النار ، وحلت بيني وبين الأبرار ، ما قطعت رجائي منك ، وما صرفت تأميلي للعفو عنك ، ولا خرج حبّك من قلبي . أنا لا أنسى أياديك عندي ، وسترك عليّ في دار الدنيا . . . » « 4 » .
أمّا المثل الذي ورد في القرآن لتوضيح ضرورة أن نقدّر اللّه حقّ قدره ، فهو مثل يوضّح تفاهة قدرة ما سوى اللّه ، وانحصار القدرة الحقيقية في اللّه تعالى . وهو ما
هامش
( 1 ) مقتضى وزن الشعر أن يقول : ( عابدوك ) .
( 2 ) راجع شرح منازل السائرين للكاشاني : 67 - 68 .
( 3 و 4 ) دعاء أبي حمزة .