لكنها لا تعلمني أبدا أن هذا يجب بالضرورة أن يوجد هكذا ، وليس على نحو آخر . وهكذا فإن التجربة لا يمكن أن تعرفني أبدا بطبيعة الأشياء في ذاتها » ( « مقدمة إلى كل ميتافيزيقا » . . . بند 14 ) .
ومعنى هذا أن التجربة لا تدرك طبيعة الأشياء في ذاتها .
لكن ثمّ فيزياء محضة قضاياها يقينية ضرورية ، وتعمل بقوانين تخضع لها الطبيعة ؛ وفيها تنطبق الرياضيات على الظواهر ، وتنطوي على مبادئ منطقية محضة تؤلف الجانب الفلسفي من المعرفة المحضة بالطبيعة . وفيها مع ذلك أمور ليست محضة ولا مستقلة عن مصادر التجربة : مثل فكرة الحركة ، وعدم قابلية النفوذ ، والتصور الذاتي ، الخ ، مما يمنع من عدها علما محضا بالطبيعة . وهي لا تتناول إلا موضوعات الحواس الخارجية ، وبالتالي لا تقدم مثالا على علم عام بالطبيعة ، بالمعنى المحدود الدقيق ، لأن هذا يجب أن يردّ الطبيعة عموما إلى قوانين كلية ، غير أن في هذه الطبيعة مبادئ ذات كلية من النوع الذي مقتضيه ، من ذلك هذه القضية وهي أن المادة تبقى ، وأن كل ما يحدث فهو تعيّن مقدما بعلة وفقا لقوانين ثابتة . وهذه قوانين كلية للطبيعة توجد قبليا .
فثمّ إذن علم محض بالطبيعة . والسؤال هو : أنّى لهذا العلم أن يكون ممكنا ؟
ثم إن للطبيعة معنى آخر غير كونها الخضوع لقوانين ، وهذا المعنى هو أن الطبيعة ، بالمعنى المادي ، هي جماع كل موضوعات التجربة .
وهنا علينا أن نتساءل : كيف يمكن معرفة الانطباق الضروري للقوانين على التجربة ، معرفة ذلك بطريقة قبلية ؟
وهذا السؤال يرتد إلى السؤال الآتي : كيف تكون الشروط القبلية لإمكان التجربة هي في نفس الوقت المصادر التي يجب أن نستمدّ منها كل القوانين العامة للطبيعة ؟
وهنا يلاحظ كنت أن ليس كل الأحكام التجريبية هي أحكام تجربة ،
الأخلاق عند كنت — صفحة 19
مساهمون: عبد الرحمن بدوي
ص١٩