ما يصل بلطف الحيلة إلى قلوبهم ، فيوسوس إليهم فيشكّكهم في ربّهم ، ويلبس عليهم دينهم ، فيزيلهم عن معرفته ، حتّى أنكر قوم لمّا وسوس إليهم ربوبيّته ، وعبدوا سواه ، فلم سلّط عدوّه على عبيده ، وجعل له السبيل إلى إغوائهم ؟
قال عليه السّلام ( في جوابه ) : إنّ هذا العدوّ الذي ذكرت لا تضرّه عداوته ، ولا تنفعه ولايته ، وعداوته لا تنقص من ملكه شيئا ، وولايته لا تزيد فيه شيئا ، وإنّما يتّقى العدوّ إذا كان في قوّة يضرّ وينفع ، إن همّ بملك أخذه ، أو بسلطان قهره .
فأمّا إبليس ؛ فعبد خلقه ليعبده ويوحّده ، وقد علم حين خلقه ما هو وإلى ما يصير إليه ، فلم يزل يعبده مع ملائكته حتّى امتحنه بسجود آدم ، فامتنع من ذلك حسدا ، وشقاوة غلبت عليه ، فلعنه عند ذلك وأخرجه عن صفوف الملائكة وأنزله إلى الأرض ملعونا مدحورا فصار عدوّ آدم وولده بذلك السبب ، ما له من السلطنة على ولده إلّا الوسوسة ، والدعاء إلى غير السبيل ، وقد أقرّ مع معصيته لربّه بربوبيّته . « 1 »
أقول :
إن قلت : لم سلّط اللّه إبليس على عبيده حتّى يدعوهم إلى خلاف طاعته ويأمرهم بمعصيته ؟
قلنا : أوّلا : يتميّز الإنسان عن غيره بكونه مختارا ، فأرسل اللّه تعالى لهدايته الأنبياء والرسل ، وأنزل معهم الكتاب ، وأعطى الإنسان العقل الذي هو الرسول الباطني ، هذا من ناحية ، ومن جهة أخرى أسباب ضلالة الإنسان كالنفس الأمّارة والشيطان موجودة ، فتعرف قيمة الإنسان وعظمته مع وجود أسباب الضلالة وتهيّئها لديه ، بأن هل يتّبع الرسول الظاهريّ والباطنيّ ، ويكفّ نفسه عن سلوك طرق الضلالة مع قدرته عليه أم لا ؟ قال اللّه تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا
هامش
( 1 ) - الاحتجاج ج 2 ص 80