اي تلك الميول المنبثقة من طبيعة الانسان وهويته والتي تؤثر على سلوكه وتصرفه وتقوده نحو مواكبة الآخرين والاصطباغ بصبغتهم . وانعكاس مثل هذه التمايلات العميقة على عمل الانسان ، كبير إلى درجة بحيث يتلون المرء بلون الجماعة ويمارس عملها بوجود المحفز وانعدام المعرقل .
فالفرد الراضي عن عمل الآخرين ، حتى وان لم يعمل مثل أعمالهم ، ولم يقرر أن يشاطرهم تلك الأعمال ، إلّا انّ الدافع نحو تلك الأعمال يظل لديه كامنا في أعماقه كالنار تحت الرماد ، حيث تكفي شرارة واحدة للاندفاع نحو ممارسة تلك الأعمال ، اي لو توفرت لديه الظروف الملائمة لعمل تلك الأعمال وبنفس ذلك الباعث .
ويمكن القول على ضوء هذا الايضاح انّ وجود مثل هذه البواعث في أعماق وجود الانسان ، يعمل على صياغة شخصيته الاجتماعية ( انا الاجتماعية ) ، ومزج شخصتيه بشخصية الآخرين وفكره بفكر الآخرين ، فيصبح بالنتيجة كل ما لديهم متعلقا به ، وكل ما يمارسونه محسوبا عليه . وبكلمة ، يلتحم مصيره بمصيرهم ، وتنعكس أعمالهم وتصرفاتهم عليه أيضا .
2 - قد يقال انّ مثل هذه التبعية ، تتعارض مع معايير العدالة من الناحية الحقوقية ، إذ انّ القرآن الكريم يتحدث بصراحة قائلا :
. . . وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
« 1 » .
ويقول أيضا :
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
« 2 » .
أضف إلى ذلك ، لا تعد النية في ارتكاب الجريمة ، جريمة من وجهة نظر علم الحقوق ، فكيف يحكم المرء بتبعات اعمال الآخرين بمجرد الرضا بها ودون ان يخطو خطوة واحدة في طريقهم ؟
وللإجابة لا بد من القول : صحيح انّ النية لا تعد جريمة في المعايير الحقوقية
هامش
( 1 ) الاسراء / 15 .
( 2 ) المدثر / 38 .