إليه ، إلّا إذا انتهكت حرمات اللّه تعالى ، فإنّه يقابل ذلك بعنف ، ومن آيات حلمه أنّ ذا الخويصرة ، وهو من الجفاة الذين ملئت نفوسهم بالحرص والجهل ، جاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وهو يقسّم الأموال ، فقال له :
يا رسول اللّه ، اعدل . . .
فأجابه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ويحك ، فمن يعدل إذا لم أعدل . . . لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل . . . » « 1 » .
ولم يقابله النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلّا بالعفو والإحسان ، وأعطى بذلك مثلا لأصحابه ليقتدوا بسيرته .
ومن آيات حلمه أنّه عفى عن ألدّ أعدائه ، وهم قريش الذين قابلوه بالحرب والاعتداء عليه وعلى من آمن به ، وشنّوا عليه الحرب بلا هوادة ، ولمّا خرج من مكّة قادوا الجيوش للقضاء عليه ، وإطفاء نور الإسلام .
ولمّا فتح اللّه تعالى له الفتح المبين ، واحتلّ مكّة ، وقد أيقن أهلها بالانتقام منهم إلّا أنّه عفا عنهم وقال لهم : « اذهبوا فأنتم الطّلقاء » ، وكان ذلك آية من آيات نبله ، وسموّ أخلاقه ، فلم يقابلهم بالمثل .
3 - الإعراض عن الجاهلين
من معالي أخلاق النبيّ صلّى اللّه عليه وآله الاعراض عن الجاهلين ، فقد أدّبه اللّه تعالى بهذا الخلق الرفيع . قال تعالى :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
« 2 » ، فكان يجادلهم بالتي هي أحسن ، ولا يثير عليهم أيّة عاطفة ، فإذا أصرّوا ولم يخضعوا للمنطق أعرض عنهم وتركهم يسبحون في ظلمات الجهل .
هامش
( 1 ) كنز العمّال : 11 / 303 .
( 2 ) سورة الأعراف : الآية 199 .