« كلّ ما ذكرته من فضل اللّه سبحانه وتأييده وتوفيقه ، فأين شكره على ما أنعم ؟
ولقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقف للصّلاة حتّى تتورّم قدماه ، ويظمأ في الصّيام حتّى يعصب فوه « 1 » ، فقيل له : يا رسول اللّه ، ألم يغفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ ! فيقول صلّى اللّه عليه وآله : أفلا أكون عبدا شكورا » .
ومضى الإمام قائلا :
« الحمد للّه على ما أولى وأبلى ، وله الحمد في الآخرة والأولى ، واللّه ! لو تقطّعت أعضائي ، وسالت مقلتاي على صدري لن أقوم للّه جلّ جلاله بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه الّتي لا يحصيها العادّون ، ولا يبلغ أحد نعمة منها على جميع حمد الحامدين ، لا واللّه ! أو يراني اللّه لا يشغلني شيء عن شكره ، وذكره في ليل ولا نهار ، ولا سرّ ولا علانية ، ولولا أنّ لأهلي عليّ حقّا ، ولسائر النّاس من خاصّهم وعامّهم عليّ حقوقا لا يسعني إلّا القيام بها حسب الوسع والطّاقة حتّى اؤدّيها إليهم لرميت بطرفي إلى السّماء ، وبقلبي إلى اللّه ، ثمّ لم أردّهما حتّى يقضي اللّه على نفسي ، وهو خير الحاكمين » .
ثمّ بكى الإمام بكاء شديدا ، وانهار الطاغية عبد الملك أمام هذا العملاق من الإيمان والتقوى ، وراح يقول بتأثّر وإعجاب :
« شتّان بين عبد طلب الآخرة وسعى لها سعيها ، وبين من طلب الدنيا من أين جاءته ما له في الآخرة من خلاق » .
وخضع عبد الملك لوساطة الإمام وشفّعه فيهم وأطلق سراحهم « 2 » .
حكى هذا الحديث مدى اهتمام الإمام البالغ بقضاء حوائج النّاس وإنقاذهم من
هامش
( 1 ) عصب فوه : أي جفّ ريقه .
( 2 ) حياة الإمام عليّ بن الحسين عليهما السّلام : 1 / 201 - 203 .