الناس نفسك ، وابذل لصديقك نفسك ومالك ، ولمعرفتك « 1 » رفدك ومحضرك ، وللعامّة بشرك « 2 » ومحبّتك ، ولعدوّك عدلك وانصافك ، واضنن « 3 » بدينك وعرضك من كلّ أحد ؛ فإنّه أسلم لدينك ودنياك .
وفي الخبر : لمّا قتل عثمان بن عفّان جلس أمير المؤمنين عليه السّلام مقامه ، فجاء أعرابيّ فقال : يا أمير المؤمنين ! إنّي مأخوذ بثلاث علل : علّة النفس ، وعلّة الفقر ، وعلّة الجهل ، فأجاب أمير المؤمنين عليه السّلام وقال : يا أخا العرب ! علّة النفس تعرض على الطبيب ، وعلّة الفقر تعرض على الكريم ، وعلّة الجهل تعرض على العالم ، فقال الأعرابي : يا أمير المؤمنين ! أنت الطبيب ، وأنت الكريم ، وأنت العالم ، فأمر أمير المؤمنين عليه السّلام بأن يعطي له من بيت المال ثلاثة آلاف درهم ، وقال : تنفق ألفا بعلّة النفس ، وألفا بعلّة الفقر ، وألفا بعلّة الجهل .
وروي عن عليّ عليه السّلام أنّه دعاه رجل ، فقال له : على أن تضمن لي ثلاث خصال ، قال : وما هي يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا تدخل علينا شيئا من خارج ، ولا تدّخر « 4 » عنّا شيئا في البيت ، ولا تجحف « 5 » بالعيال ، قال : ذلك لك ! فأجابه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام .
وروى ابن بابويه في أماليه حديثا طويلا نقلت منه ما يناسب هذا الباب :
قال عليّ عليه السّلام : سلوني قبل أن تفقدوني ، فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّيا على عكّازه ، فلم يزل يتخطّى الناس حتّى دنا منه فقال : اى أمير
هامش
( 1 ) . المعرفة : واحد المعارف ، ومعارف الرجل أصحابه الّذين يعرفهم ، وأهل مودّته ، ومن يكون بينه وبينهم معرفة . الرّفد :
العطاء والمعونة . ومحضرك : أي حسن المحضر بالذكر بالخير إذا غابوا ، وحسن المعاشرة معهم إذا حضروا .
( 2 ) . بشرك : اي الملاقاة بالبشر من التبسّم وحسن الخلق وطلاقة الوجه .
( 3 ) . ضنّ بالشيء : بخل ( المصباح المنير : 365 ) .
( 4 ) . أي لا تمنعنا ممّا في البيت ، وهو افتعال من ذخر .
( 5 ) . أجحفت بهم الفاقة : أي أفقرتهم الحاجة وأذهبت أموالهم ( النهاية : 1 / 234 ) .