ثم إن تلويث الفضيلة بأقذار الهوى عدوان على منزلتها ، ومحاولة متعمدة لإسقاط قيمتها . وهذا جرم آخر ، ينشأ عن فقدان الإخلاص ، والرجل الذي يقصد بعمله وجه الناس ، ويذهل عن وجه ربه ، رجل لا يدري - لسفاهته - حطة ما يصنع ، إنه ينصرف عن القوي الغني ذي الجلال والإكرام إلى الضعاف الفقراء الذين لا حول لهم ولا طول . ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« إذا جمع اللّه الأولين والآخرين ليوم القيامة ، ليوم لا ريب فيه ، نادى مناد : من كان أشرك في عمله للّه أحدا ، فليطلب ثوابه من عنده ، فإن اللّه أغنى الشركاء عن الشرك » « 1 » .
* * * على العسكريين - جنودا أو قادة - أن يجعلوا جهادهم منزها عن الشوائب فقد ربطوا حياتهم ومماتهم بواجب مقدس ، تصغر إلى جانبه الألقاب والرتب والشارات ، فليؤثروا ما عند اللّه ، وليقفوا أمانيهم على التضحية المرتقبة والفداء العزيز .
عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، قلت : يا رسول اللّه ، أخبرني عن الجهاد والغزو فقال : « يا عبد اللّه بن عمرو ، إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك اللّه صابرا محتسبا . وإن قاتلت مرائيا مكاثرا ، بعثك اللّه مرائيا مكاثرا . يا عبد اللّه بن عمرو : على أي حال قاتلت أو قتلت ، بعثك اللّه على تلك الحال » « 2 » .
* * * وعلى الموظف ، وهو في ديوانه ، أن يعتد ما يكتبه ، وما يحسبه ، وما يكد فيه عقله ، ويتعب فيه يده ، عملا يقصد به مصلحة البلاد ورضى اللّه .
إن الدابة قد تكدح سحابة النهار ، نظير طعامها . والإنسان قد يهبط بقيمة جهده إلى مستوى الحيوان ، فيكون عمله لقاء راتبه فحسب .
لكن الرجل العاقل يغالي بتفكيره ونشاطه ، فيجعلهما لشيء أجل .
ومن المؤسف أن هناك جمهورا من الموظفين لا يفقهون إلا منطق المال
هامش
( 1 ) الترمذي .
( 2 ) أبو داود .