ويعتبر الذاهلين عن غدهم ، الغارقين في حاضرهم ، المسحورين ببريق الدار العاجلة ، قوما خاسرين سفهاء :
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ . أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
« 1 » .
وقد وزع الإسلام عباداته الكبرى على أجزاء اليوم وفصول العام .
فالصلوات الخمس تكتنف اليوم كله . وأوقاتها تطّرد مع سيره . والمقرر في الشريعة أن « جبريل » نزل من عند اللّه ليرسم أوائل الأوقات وأواخرها ليكون من ذلك نظام محكم دقيق يرتب الحياة الإسلامية ويقيسها بالدقائق من مطلع الفجر إلى مغيب الشفق :
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ . وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ
« 2 » .
إن النظر القاصر يعرف من الزمن آثاره المحدودة ، ومظاهره المحسوسة فهو يقول :
أشاب الصغير وأفنى الكبير * كر الغداة ومر العشي
ويقول :
يسر المرء ما ذهب الليالي * وكان ذهابهن له ذهابا
لكن الزمن الذي يغضّن « 3 » الجباه ويطوي الآجال ويفني الحضارات ويقف الناس مشدوهين بإزاء عجائبه . هذا الزمن نفسه هو فرصة لإيقاظ الأذكياء لفعل الخير وإسداء المعروف وادّخار ما يجدي .
قال تعالى :
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً
« 4 » .
فالليل يخلف النهار ، ويخلفه النهار مع حركات الأفلاك الدائرة السائرة ،
هامش
( 1 ) يونس : 7 - 8 .
( 2 ) الروم : 17 - 18 .
( 3 ) يجعل فيها الغضون من الكبر .
( 4 ) الفرقان : 61 - 62 .