الانتفاع بالوقت والاتعاظ بالزّمن
كل مفقود عسى أن تسترجعه ، إلا الوقت . فهو إن ضاع لم يتعلق بعودته أمل ، ولذلك كان الوقت أنفس ما يملكه إنسان ، وكان على العاقل أن يستقبل أيامه استقبال الضنين للثروة الرائعة ، لا يفرط في قليلها بله كثيرها ، ويجتهد أن يضع كل شيء ، مهما ضؤل بموضعه اللائق به .
عندما يحس أحدنا أنه موجود ، ويلقي نظرة وراءه يتبين بها اللحظة التي بدأ منها المسير في هذه الحياة ، ليحصي ما مر به من أيام وأعوام . لن يطول به فكره ، لأنه لا يرى إلا بداية غامضة ، ثم تتجمع السنون الطوال والليالي العراض ، فإذا هي وكأنها يوم واحد مائع الطول والعرض متلاحق الأحداث .
إن هذا ما يستشعره الإنسان الآن . وما قد يستشعره يوم القيامة عندما يوقف للحساب :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ . . .
« 1 » .
يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً . نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ . إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً : إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً
« 2 » .
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
« 3 » .
إن هذا الإحساس - على ما به - يلذع الذين توهموا الخلود في الأرض وربطوا مصيرهم بترابها ، وهو إحساس صادق إذا قيست أيام الدنيا بأيام
هامش
( 1 ) يونس : 45 .
( 2 ) طه : 103 - 104 .
( 3 ) النازعات : 46 .