قال :
. . . وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ، بَغْياً بَيْنَهُمْ
« 1 » .
فانظر إلى ضراوة العلم عندما يفقد الإخلاص للّه والرفق بالعباد ، كيف يثير الفرقة ويقطع ما أمر اللّه به أن يوصل .
إن اختلاف الأفهام واشتجار الآراء ليس بمستغرب في الحياة ، ولكن ليس هذا سبب التقاطع والشقاق . يعود سبب الشقاق إلى انضمام عوامل أخرى ، تستغل تباين الأنظار والأفكار للتنفيس عن أهواء باطنة .
ومن ثمّ ينقلب البحث عن الحقيقة إلى ضرب من العناد لا صلة له بالعلم البتة .
ولو تجردت النيات للبحث عن الحقيقة ، وأقبل روّادها وهم بعداء عن طلب الغلب ، والسمعة ، والرياسة ، والثراء ؛ لصفيت المنازعات التي ملأت التاريخ بالأكدار والمآسي .
وقد لحظنا أن هناك توافه ضخم الخلاف فيها وامتد ، لأن هذا الخلاف اقترن ابتداء بمنافع سياسية . على حين انكمش الخلاف في مسائل هامة ، وتركت وجهات النظر ترسو حيث شاءت ، لأن نتائج هذا الخلاف نظرية بحتة ! .
ولما كان هذا الاختلاف المريب مفسدا لدين اللّه ودنيا الناس اعتبره الإسلام انفصالا عنه وكفرا :
قال اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ، إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ . ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ
« 2 » .
وحذر اللّه المسلمين من الخلاف في الدين والتفرق في فهمه شيعا متناحرة متلاعنة كما فعل الأولون :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ،
هامش
( 1 ) البقرة : 213 .
( 2 ) الأنعام : 159 .