القيامة ، وعلى قدر ما انتفخوا ينكمشون حتى يصيروا هباء ينضغط في مواطىء النعال :
وفي الحديث : « يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان » « 1 » .
ومما يمزق أواصر الأخوة التهكم والازدراء والسخرية من الآخرين . إن هذه الأخلاق تنشأ عن جهالة سادرة ، وغفلة شائنة ؛ فإن من حق الضعيف أن يحمل لا أن ينال منه ، ومن حق الحائر أن يرشد لا أن يضحك عليه . وإذا وجدت بشخص عاهة أو عرضت له سيئة ، فآخر ما يتوقع من « المسلم » أن يجعل ذلك مثار تندره واستهزائه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ . . .
« 2 » .
وعن الحسن : « إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنة . فيقال له : هلم . فيجيء بكربه وغمه ، فإذا جاء أغلق دونه . ثم يفتح له باب آخر . فيقال : هلم هلم . فيجيء بكربه وغمه فإذا جاءه أغلق دونه . . فما يزال كذلك حتى إن أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة . فيقال له :
هلم . . فما يأتيه من الإياس » « 3 » .
ذلك جزاء الساخرين ، وهي عقوبة من جنس الذنب المقترف ، كأنها توبيخ للمستهزئين وتذكير لهم بما كانوا يعملون .
* * * ومما اتخذه الإسلام لصيانة الأخوة العامة ، ومحو الفروق المصطنعة ، توكيد التكافؤ في الدم والتساوي في الحق وإشعار العامة والخاصة بأن التفاخر بالأنساب باطل ، لأن أبوة آدم لفّت أعقابه كلهم في شعار فذ ، فما يفضل أحد صنوه إلا بميزة يحرزها لنفسه بكده وجده ، فمن لا امتياز له بعمل جليل لم ينفعه أسلافه ولو كانوا ملوك الآخرة .
هامش
( 1 ) الترمذي .
( 2 ) الحجرات : 11 .
( 3 ) البيهقي .