الرجل يتأوه للألم ينزل بأخيه . مصداق قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى » « 1 » .
والتألم الحق هو الذي يدفعك دفعا إلى كشف ضوائق إخوانك ، فلا تهدأ حتى تزول غمتها وتدبر ظلمتها . فإذا نجحت في ذلك استنار وجهك واستراح ضميرك .
قال رسول اللّه : « المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه . من كان في حاجة أخيه كان اللّه في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج اللّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة . ومن ستر مسلما ستره اللّه يوم القيامة » « 2 » .
من علائم الأخوة الكريمة أن تحب النفع لأخيك ، وأن تهش لوصوله إليه كما تبتهج بالنفع يصل إليك أنت . فإذا اجتهدت في تحقيق هذا النفع فقد تقربت إلى اللّه بأزكى الطاعات وأجزلها مثوبة .
عن ابن عباس أنه كان معتكفا في مسجد رسول اللّه ، فأتاه رجل فسلم عليه ثم جلس ، فقال له ابن عباس : يا فلان أراك مكتئبا حزينا . قال : نعم يا ابن عم رسول اللّه . لفلان عليّ حق ولاء ، وحرمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه ! ! .
قال ابن عباس : أفلا أكلمه فيك ؟ قال : إن أحببت . قال : فانتعل ابن عباس ثم خرج من المسجد ، فقال له الرجل : أنسيت ما كنت فيه ؟ قال : لا ، ولكني سمعت صاحب هذا القبر ، والعهد به قريب - ودمعت عيناه - يقول :
من مشى في حاجة أخيه ، وبلغ فيها كان خيرا له من اعتكاف عشر سنين . ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه اللّه تعالى جعل اللّه بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد مما بين الخافقين » « 3 » ! ! وفي رواية : « كل خندق أبعد مما بين الخافقين » .
وهذا الحديث يصور إعزاز الإسلام لعلائق الإخاء الجميل ، وتقديره
هامش
( 1 ) البخاري .
( 2 ) البخاري ومسلم .
( 3 ) البيهقي .