بناء على ما تمهد من هذه القواعد يوصي الإسلام المرء ألا يكون عبد بطنه ، يعيش في الدنيا ليأكل ، ويغدو ويروح وليس له من هم إلا أن يجمع على مائدته ألوان الطعام ، فإذا حشد فوقها ما لذ وطاب سر واطمأن ، وإلا تغير وتغيظ وحسب أن القدر يكيد له ! !
إن الرجال الذين يمعنون في التشبع والامتلاء ، ويبتكرون في وسائل الطهي وضروب التلذذ ، لا يصلحون لأعمال جليلة ، ولا ترشحهم هممهم القاعدة لجهاد أو تضحية .
وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة » « 1 » .
والمعروف أن عددا كبيرا من الأمراض الشديدة والعلل المنهكة ينشأ عن اكتظاظ المعدة بما لا تطيق هضمه . . ولذلك جاء في الحديث : « ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن » « 2 » .
وتخفف الإنسان من مقادير الأطعمة لا يتم بالتزهد المجرد ، أو الامتناع لغير معنى مفهوم . بل الطريق الصحيحة أن يربط الإنسان همته بمطمح كبير ثم ينشغل بتحصيله ، فإن هذا يصرفه عن فنون اللهو وأنواع الملذات الرخيصة .
حدث أن أضاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا كافرا ، فأمر له بشاة فحلبت ، فشرب حلابها ، ثم أخرى ، فشرب حلابها ، حتى شرب حلاب سبع شياه . ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشاة فشرب حلابها ، ثم أخرى فلم يستتمه ! ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن المؤمن ليشرب في معي واحد . والكافر يشرب في سبعة أمعاء » « 3 » .
وذلك أن الرجل غلبه التفكير عندما شعر بروعة الانتقال من طور الجاهلية إلى طور النور ، وعندما عرف موقفه الجديد من ربه وتكاليف دينه وحساب آخرته ، فكان لارتفاع همته إلى تأسيس حياة أرقى مما مضى ، أثر بالغ في عزوفه عن الاستزادة مما قدم له .
هامش
( 1 ) البزار .
( 2 ) الترمذي .
( 3 ) مسلم .