قوله ، ويتجاوز عن الهفوات ، ويرثي للعثرات تكون منزلته عند اللّه .
ومن ثم استنكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أبي بكر أن يلعن بعض رقيقه وقال :
« لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعانا » « 1 » .
وفي رواية : « لا يجتمع أن تكونوا لعانين وصدّيقين » « 2 » فأعتق أبو بكر أولئك الرقيق كفارة عما بدر منه لهم . وجاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول له : لا أعود .
ذلك أن اللعن قذيفة طائشة خطرة ، يدفع إليها الغضب الأعمى أكثر مما يدفع إليها استحقاق العقاب . واستهانة الناس بهذه الدعوات الشداد لا تليق .
لأنه لا يفلت من وبالها أحد .
فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء ، فتغلق أبواب السماء دونها . ثم تهبط الأرض فتغلق أبوابها . ثم تأخذ يمينا وشمالا . فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن ، فإن كان أهلا . . . وإلا رجعت إلى قائلها » « 3 » .
وقد حرّم الإسلام المهاترات السفيهة وتبادل السباب بين المتخاصمين .
وكم من معارك تبتذل فيها الأعراض وتعدو فيها الشتائم المحرمة على الحرمات العزيزة ، وليس لهذه الآثام الغليظة من علة إلا تسلط الغضب وضياع الأدب .
وأوزار هذه المعارك الوضيعة تعود على الموقد الأول لجمرتها . كما جاء في الحديث : « المستبّان ما قالا ، فعلى البادىء منها حتى يعتدي المظلوم » « 4 » .
وملاك النجاة من هذه المنازعات الحادة تغليب الحلم على الغضب ، وتغليب العفو على العقاب . ولا شك أن الإنسان يحزنه أي تهجم على شخصه أو على من يحب ، وإذا واتته أسباب الثأر سارع إلى مجازاة السيئة بمثلها . ولا يقر له قرار إلا إذا أدخل من الضيق على غريمه بقدر ما شعر به هو نفسه من ألم .
هامش
( 1 ) مسلم .
( 2 ) الحاكم .
( 3 ) أبو داود .
( 4 ) مسلم .